أسعار الذهب تخترق حاجز 4700 دولار: هل هي بداية الرحلة نحو الـ 5000؟

شهدت الأسواق العالمية اليوم منعطفاً تاريخياً غير مسبوق، حيث اندفعت أسعار الذهب لتجاوز مستويات 4700 دولار للأوقية للمرة الأولى في التاريخ الحديث. هذا الارتفاع الجنوني لم يكن وليد الصدفة أو مجرد تذبذب عابر، بل جاء نتيجة “عاصفة كاملة” من التوترات الجيوسياسية الحادة والقرارات الاقتصادية المثيرة للجدل التي أعادت صياغة مفهوم الملاذ الآمن بالكامل في مطلع عام 2026، مما وضع المستثمرين أمام مشهد مالي يتطلب أقصى درجات الحذر والتحليل.
أرقام قياسية: الذهب والفضة في الصدارة
سجل سعر الذهب الفوري قفزة نوعية بنسبة 1.3% ليصل إلى 4727.99 دولاراً للأوقية، بعد أن لامس ذروة تاريخية لحظية عند 4731.34 دولاراً خلال الجلسة الصباحية. ولم تتوقف المكاسب عند المعدن الأصفر فحسب، بل امتدت لتشمل الفضة التي أظهرت أداءً استثنائياً بحوامها قاب قوسين أو أدنى من حاجز 95.50 دولاراً للأونصة. وتعكس هذه الأرقام تسارعاً مذهلاً في وتيرة الصعود، حيث تجاوزت مكاسب الفضة السنوية 33% منذ بداية العام الجاري فقط، مدفوعة بطلب مؤسسي مكثف.
أسباب انفجار أسعار الذهب اليوم
يرى المحللون أن المحرك الرئيسي لهذا الصعود الدراماتيكي هو حالة “الهروب الجماعي نحو الأمان” (Flight to Safety)، والتي تفاقمت بفعل عدة عوامل متشابكة ومعقدة:
- تهديدات “حرب جرينلاند” والرسوم الجمركية: أحدث تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية تصاعدية وشاملة على ثماني دول أوروبية، مالم يتم الرضوخ لمطالب واشنطن بشراء جزيرة جرينلاند، صدمة في الأسواق. هذه التهديدات لا تنذر فقط بحرب تجارية عابرة للأطلسي، بل تهدد بتقويض سلاسل التوريد العالمية الهشة أصلاً، مما دفع رؤوس الأموال للتحوط الفوري عبر الذهب.
- استقلالية الفيدرالي تحت المجهر: يترقب المستثمرون بقلق بالغ قراراً مصيرياً من المحكمة العليا قد يغير وجه النظام المالي الأمريكي؛ حيث سيتحدد ما إذا كان يحق للرئيس عزل محافظي الاحتياطي الفيدرالي – وتحديداً المحافظة ليزا كوك – حسب رغبته. إن المساس باستقلالية السياسة النقدية يعني احتمالية تسييس أسعار الفائدة، وهو ما يضعف الثقة في العملات الورقية ويعزز من بريق الذهب كبديل سيادي.
- توقعات خفض الفائدة والضغوط السياسية: مع تزايد الضغوط السياسية المباشرة لخفض تكاليف الاقتراض بهدف تحفيز النمو، تتزايد جاذبية الذهب كأصل استراتيجي لا يدر عائداً ثابتاً. ففي بيئة تتسم بأسعار فائدة منخفضة أو سالبة حقيقياً، تنخفض “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة المعدن النفيس، مما يجعله الخيار المفضل للمحافظ الاستثمارية الكبرى.
تحليل فني: هل نرى الذهب عند 5000 دولار قريباً؟
من وجهة نظر تحليلية معمقة، فإن أسعار الذهب قد حققت مكاسب تراكمية بنسبة 70% منذ بداية الولاية الثانية للرئيس ترامب قبل عام من الآن. ويشير “جيوفاني ستونوفو”، كبير محللي السلع في بنك UBS، إلى أن الزخم الحالي يشير بوضوح إلى أن المستهدف القادم هو 5000 دولار للأوقية.
ويعتمد هذا التوقع المتفائل على ركيزتين أساسيتين: أولهما استمرار التدفقات الضخمة نحو صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) التي تعكس شهية المستثمرين الأفراد، وثانيهما المشتريات القوية والمستمرة من البدوك المركزية حول العالم، والتي باتت ترى في الذهب ضرورة استراتيجية لتنويع احتياطياتها بعيداً عن تقلبات الدولار الأمريكي والاضطرابات السياسية المرتبطة به.
| المعدن النفيس | السعر الحالي (تقريبي) | نسبة الارتفاع (2026) | نسبة الارتفاع منذ 2025 |
| الذهب (أوقية) | $4,730 | +9.5% | +70% |
| الفضة (أوقية) | $95.34 | +33.7% | +147% |
الفضة: “المعدن الحرج” والنمو الهيكلي
لا يمكن قراءة مشهد أسعار الذهب بمعزل عن الأداء الأسطوري للفضة. فمنذ تصنيفها رسمياً كـ “معدن حرج” في الولايات المتحدة، زادت الأهمية الاستراتيجية للمعدن الأبيض. ويعاني السوق حالياً من عجز هيكلي حاد نتيجة الفجوة بين المعروض المحدود والطلب الصناعي المتفجر، خاصة في تقنيات الطاقة المتجددة وصناعة الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية. هذا المزيج بين الصفة النقدية (كملاذ آمن) والصفة الصناعية (كمادة خام ضرورية) جعل الفضة تحقق ارتفاعاً بنسبة 147% خلال عام 2025، وهي مستمرة في ملاحقة مستويات قياسية جديدة بجانب الذهب.
وفي ظل هذه الأمواج المتلاطمة من البيانات، يبقى الذهب الأداة الأقوى والأكثر موثوقية للتحوط ضد المخاطر الجيوسياسية وموجات التضخم المحتملة. ومع ذلك، ينبغي على المستثمرين عدم الانسياق وراء الشراء العاطفي عند القمم؛ بل يجب مراقبة مستويات الدعم الفنية القريبة عند 4650 دولاراً بدقة. إن أي بادرة تهدئة في الخطاب التجاري بين واشنطن وأوروبا قد تدفع الأسواق لعمليات جني أرباح مؤقتة وتصحيح سعري، وهو ما قد يمثل فرصاً استثمارية لبناء مراكز جديدة.
ختاما إن وصول أسعار الذهب إلى هذه المستويات التاريخية ليس مجرد رقم في سجلات البورصة، بل هو مرآة تعكس حجم القلق وعدم اليقين الذي يسيطر على مفاصل الاقتصاد العالمي. وسواء استقر السعر عند هذه المستويات أو انطلق نحو حاجز الـ 5000 دولار، فقد أكد الذهب مرة أخرى أنه “الملك” الذي لا ينازعه أحد على عرش الثروة في أوقات الأزمات الكبرى.
اقرأ أيضا…




تعليق واحد