أسعار النفط تتراجع بنسبة 1% مع انحسار المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط

شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً خلال تداولات يوم الإثنين، حيث فقدت نحو 1% من قيمتها السوقية، وهو ما يمثل حركة تصحيحية محت مكاسب الجلسة السابقة بالكامل. يأتي هذا الهبوط مدفوعاً بشكل أساسي بانحسار موجة الاحتجاجات والاضطرابات المدنية في إيران، الأمر الذي أدى إلى تقليص “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي كانت تدعم الأسعار نتيجة مخاوف المستثمرين من تعطل سلاسل الإمداد في منطقة تمثل شريان الحياة للطاقة العالمية.
أداء أسعار النفط اليوم وتفاصيل التداول
سجلت العقود الآجلة لخام برنت تراجعاً بمقدار 65 سنتاً، أو ما يعادل 1%، ليتداول عند مستوى 63.48 دولار للبرميل. وفي ذات السياق، انخفض خام غرب تكساس الأمريكي (تسليم فبراير) بنسبة مماثلة ليصل إلى 58.84 دولاراً للبرميل، قبل انقضاء صلاحية العقد يوم الثلاثاء. أما عقد مارس الأكثر نشاطاً وتداولاً، فقد سجل 58.77 دولاراً، متراجعاً بمقدار 57 سنتاً، مما يعكس نظرة تشاؤمية قصيرة المدى لدى المتعاملين في السوق الفورية والآجلة على حد سواء.
تحليل العوامل الجوهرية المؤثرة على تراجع أسعار النفط
1. الاستقرار في إيران وتراجع احتمالات التصعيد العسكري
كان العامل الحاسم والمحرك الأساسي لأسعار النفط اليوم هو استعادة الهدوء النسبي في إيران، التي تُعد رابع أكبر منتج في منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك”. ومع نجاح السلطات في إخماد الاحتجاجات، تضاءلت بشكل كبير احتمالات قيام الولايات المتحدة بتنفيذ تهديداتها السابقة بالتدخل العسكري أو فرض قيود إضافية مشددة قد تؤدي إلى شلل في التدفقات النفطية من منطقة الخليج العربي.
هذا التحول الجيوسياسي انعكس مباشرة على سيكولوجية المستثمرين، حيث تراجعت المخاوف من “سيناريو الانقطاع المفاجئ”، مما دفع الصناديق الاستثمارية إلى تسييل مراكزها الشرائية والتحول نحو جني الأرباح، وهو ما أفرغ السعر من الزخم الذي اكتسبه بداعي القلق الأمني.
2. ضغوط الطلب العالمي والتوترات التجارية العابرة للحدود
إلى جانب العوامل السياسية، أشار محللون في مؤسسة “PVM Oil Associates” إلى أن الحذر يسيطر على الأسواق بسبب ضبابية المشهد الاقتصادي الكلي. فالقلق لا يتوقف عند حدود الشرق الأوسط، بل يمتد ليشمل احتمالات توسع الحروب التجارية، خاصة مع التوترات الدبلوماسية الأخيرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن ملف “غرينلاند”.
إن أي تصعيد في هذا الملف قد يؤدي إلى عرقلة حركة التجارة الدولية، وهو ما يعني بالضرورة تباطؤاً في النشاط الصناعي العالمي، وبالتالي انخفاضاً جوهرياً في معدلات الطلب العالمي على النفط. هذا الربط بين السياسة التجارية واستهلاك الطاقة يمثل ضغطاً هبوطياً مستمراً على الأسعار في الأمد المتوسط.
3. تعقيدات الإمدادات في فنزويلا وكازاخستان
تظل الأنظار شاخصة نحو فنزويلا، حيث تسود حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل حقولها النفطية بعد تصريحات الإدارة الأمريكية حول إمكانية إدارة الصناعة النفطية هناك في مرحلة ما بعد التغيرات السياسية المحتملة. ورغم هذه الطموحات، فإن البنية التحتية المتهالكة ونقص الاستثمارات يجعل الأسواق تشكك في قدرة كاراكاس على زيادة الإنتاج بشكل سريع أو مؤثر.
من جانب آخر، شهدت السوق دعماً طفيفاً -حال دون تدهور الأسعار بشكل أكبر- نتيجة توقف تقني مفاجئ في حقول “تنجيز” و”كوروليف” في كازاخستان. هذا التوقف، الناتج عن مشكلات في شبكات توزيع الطاقة، ذكر الأسواق بهشاشة العرض العالمي وأهمية استقرار البنية التحتية الكهربائية لضمان استمرار تدفقات الخام.
الاستشراف المستقبلي: تأثير المناخ واللوجستيات الروسية
رغم المنحى التنازلي المرصود حالياً، لا تزال هناك متغيرات حرجة قد تدفع أسعار النفط للارتداد صعوداً، وأبرزها:
- الدورة المناخية الموسمية: تشير التوقعات الجوية إلى قدوم موجات برد قاسية في أمريكا الشمالية وأوروبا، مما سيؤدي حتماً إلى قفزة في الطلب على وقود التدفئة ونواتج التقطير، وهو ما قد يوفر “أرضية صلبة” للأسعار تمنعها من الهبوط دون مستويات الدعم الفنية الحالية.
- المخاطر الهيكلية في روسيا: يسود قلق مستمر بشأن تقادم بعض أجزاء البنية التحتية النفطية الروسية والمخاطر اللوجستية المرتبطة بها، مما يبقي علاوة المخاطر حاضرة في خلفية المشهد التداولي، ويجعل السوق في حالة تأهب لأي خلل غير متوقع في الإمدادات القادمة من الشمال.
في الختام، تظل أسعار النفط أسيرة التوازن الدقيق بين استقرار الإمدادات الجيوسياسية من جهة، ومخاوف الركود الاقتصادي التي تضغط على جانب الطلب من جهة أخرى. ومع إغلاق الأسواق المالية في الولايات المتحدة احتفالاً بيوم “مارتن لوثر كينغ”، يُتوقع أن تتسم التداولات المتبقية من اليوم بنوع من الاستقرار النسبي (Consolidation) قبل أن تعود السيولة للتدفق بكامل قوتها، حيث سيراقب المحللون قدرة الأسعار على التماسك فوق مستويات الدعم الأساسية لاختبار اتجاه السوق في المدى القريب.
اقرأ أيضا…




تعليق واحد