أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تتراجع وسط بيانات أمريكية قوية

شهدت أسعار الذهب تراجعاً ملحوظاً خلال تداولات نهاية الأسبوع، حيث بدأت في التخلي عن جزء من مكاسبها التاريخية التي حققتها في موجة الصعود الأخيرة. هذا التحول السعري لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية الكلية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة التي أعادت رسم خارطة التدفقات النقدية نحو الأصول الأكثر خطورة على حساب الملاذات الآمنة التقليدية.

أداء سوق الذهب اليوم والاتجاهات الأسبوعية

في المعاملات الفورية، سلك المعدن الأصفر مساراً هبوطياً بنسبة 0.3% ليصل إلى مستويات 4,603.02 دولار للأوقية. وبالرغم من هذا التصحيح الفني، لا يزال المعدن النفيس يحافظ على توازنه الأسبوعي بمكاسب تقترب من 2%، مدعوماً بالقفزة الكبيرة التي سجلها يوم الأربعاء حين لامس أعلى مستوياته على الإطلاق عند 4,642.72 دولار.

أما في سوق المشتقات، فقد تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير بنسبة 0.4% لتستقر عند 4,606.70 دولار، مما يعكس حالة من الحذر والترقب بين كبار المتداولين في بورصة “كوميكس” الذين بدأوا في إعادة تقييم مراكزهم الشرائية.

القوة الاقتصادية الأمريكية تضغط على أسعار الذهب

يتفق المحللون على أن الزخم الصعودي القوي الذي دفع أسعار الذهب لقمم غير مسبوقة بدأ في الاصطدام بحائط الصد المتمثل في مرونة الاقتصاد الأمريكي. فقد كشفت البيانات الصادرة عن وزارة العمل الأمريكية عن انخفاض غير متوقع في طلبات إعانة البطالة الأولية بمقدار 9,000 طلب لتصل إلى 198,000، وهي قراءة جاءت لتخالف توقعات الأسواق التي رجحت استقرارها عند 215,000.

هذا التحسن في سوق العمل يبعث برسائل قوية حول استمرار الضغوط التضخمية، مما قد يدفع الفيدرالي الأمريكي للتمسك بأسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول. وبطبيعة الحال، أدى ذلك إلى انتعاش مؤشر الدولار الأمريكي قرب أعلى مستوياته في ستة أسابيع، مما خلق ضغطاً مزدوجاً على الذهب؛ فمن جهة ارتفعت تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائداً، ومن جهة أخرى زادت تكلفة شرائه لحائزي العملات الأخرى.

العوامل الجيوسياسية وانحسار علاوة المخاطر

لطالما كان الذهب هو المستفيد الأول من حالة “عدم اليقين”، ولكن المشهد الجيوسياسي بدأ يميل نحو الاستقرار النسبي. فقد أشارت التقارير الميدانية من داخل إيران إلى انحسار موجة الاحتجاجات، مما قلل من احتمالات حدوث اضطرابات داخلية قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي أو إمدادات الطاقة.

هذا الهدوء النسبي أدى إلى سحب “علاوة المخاطر” من أسعار الذهب، حيث يميل المستثمرون في مثل هذه الظروف إلى تسييل جزء من حيازاتهم من المعدن النفيس لإعادة ضخها في أسواق الأسهم التي بدأت تستعيد جاذبيتها مع تراجع المخاوف الأمنية.

مستويات الطلب الفعلي في الأسواق الناشئة: الهند والصين

يلعب الطلب الفعلي دوراً محورياً في دعم مستويات الأسعار، ولكن الارتفاعات الأخيرة بدأت تؤثر سلباً على القوة الشرائية في الأسواق الرئيسية:

  • في الهند: تسبب وصول الأسعار لمستويات قياسية في حالة من “صدمة الأسعار” لدى المستهلكين الأفراد، مما أدى إلى ركود في مبيعات التجزئة للمجوهرات. هذا العزوف قد يضغط على الأسعار المحلية ما لم يحدث تصحيح سعري يشجع المشترين على العودة.
  • في الصين: المشهد يبدو مختلفاً قليلاً، حيث استمر الطلب في التماسك مع اقتراب احتفالات رأس السنة القمرية. تداول الذهب بعلاوة سعرية في الأسواق الصينية يعكس رغبة المستهلكين في التحوط ضد تقلبات العملة المحلية، مما يوفر صمام أمان يمنع الأسعار العالمية من الانهيار الحاد.

أداء المعادن النفيسة الأخرى: الفضة والبلاتين والبلاديوم

اتبعت المعادن الصناعية والنفيسة الأخرى خطى الذهب ولكن بنسب تراجع أكثر حدة في بعض الأحيان:

  1. الفضة: تراجعت بنسبة 1.1% لتصل إلى 91.33 دولار للأوقية. ورغم هذا التراجع، يظل التركيز منصباً على مستوى المقاومة النفسي عند 100 دولار، حيث لا يزال المضاربون يراهنون على فجوة العرض والطلب في القطاع الصناعي.
  2. البلاتين: سجل انخفاضاً حاداً بنسبة 2.7% ليصل إلى 2,345.78 دولار، متأثراً بتوقعات تباطؤ النشاط الصناعي العالمي.
  3. البلاديوم: فقد نحو 2.6% من قيمته ليستقر عند 1,755.04 دولار، متجهاً لتسجيل خسارة أسبوعية تزيد عن 3% نتيجة التوقعات الضعيفة لقطاع السيارات العالمي.

نظرة تحليلية للمستقبل وتوقعات الأسواق

وفقاً لتحليل كارستن مينكي، المحلل لدى “جوليوس باير”، فإن تدفق البيانات الاقتصادية الأمريكية القوية تحول من كونه داعماً للنمو إلى “رياح معاكسة” تعرقل مسار الذهب. إن استدامة الاتجاه الصاعد في أسعار الذهب تتطلب الآن محفزات جديدة، سواء عبر بيانات تضخم مفاجئة أو تحول في نبرة البنوك المركزية العالمية.

بينما يظل الذهب الملاذ الآمن المفضل على المدى الطويل، إلا أن الأسواق تمر حالياً بمرحلة “هضم” للمكاسب السابقة. التراجع الحالي هو تصحيح صحي ناتج عن قوة الدولار وهدوء الجبهات الجيوسياسية، ومن المرجح أن يظل المعدن في نطاق عرضي حتى تظهر بوادر جديدة حول مسار الفائدة الأمريكية.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى