أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تتماسك وسط ترقب لبيانات التوظيف الأمريكية وتصاعد المخاطر الجيوسياسية

شهدت أسعار الذهب حالة من الاستقرار والتعافي الملحوظ خلال تعاملات يوم الجمعة، حيث أظهر المعدن الأصفر مرونة كبيرة في مواجهة الضغوط الفنية. وتمكن الذهب من تقليص الخسائر الصباحية التي نتجت بشكل رئيسي عن عمليات “إعادة توازن مؤشرات السلع” السنوية، وهي عملية روتينية دفعت ببعض الصناديق لتخفيف مراكزها. يأتي هذا الأداء المتماسك في وقت يقف فيه المستثمرون على أطراف أصابعهم ترقباً لصدور تقرير الوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة، والذي يمثل حجر الزاوية في تحديد المسار القادم لسياسات الاحتياطي الفيدرالي النقدية.

أداء أسعار الذهب في السوق الفورية والعقود الآجلة

على صعيد التداولات اللحظية، سجلت أسعار الذهب في المعاملات الفورية تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.2% لتستقر حول مستويات 4465.96 دولاراً للأوقية. وبالرغم من هذا التذبذب المحدود، لا يزال المعدن النفيس يحافظ على زخم إيجابي وضعه على مسار تحقيق مكاسب أسبوعية تتخطى حاجز الـ 2%. ومن الجدير بالذكر أن السوق لا تزال تستحضر القمة التاريخية التي بلغها الذهب عند 4549.71 دولاراً في أواخر ديسمبر الماضي، مما يجعل المستويات الحالية نقطة ارتكاز هامة للمتداولين.

أما في سوق المشتقات، فقد أظهرت العقود الأمريكية الآجلة للذهب (تسليم فبراير) أداءً أكثر قوة بارتفاعها بنسبة 0.4% لتصل إلى 4477.70 دولاراً. هذا التباين الطفيف بين السعر الفوري والآجل يعكس تزايد الطلب على العقود المستقبلية كأداة تحوط طويلة الأمد ضد تقلبات العملة والتضخم، رغم الضغوط البيعية الفنية المؤقتة التي شهدتها الأسواق في مستهل الجلسة.

العوامل الجيوسياسية: المحرك الاستراتيجي للطلب على الذهب

في تحليل للمشهد الراهن، أوضح تيم ووترر، كبير محللي السوق في “KCM Trade”، أن أسعار الذهب نجحت في تجاوز حالة “الارتباك” الناتجة عن إعادة توازن المؤشرات. وأكد أن المستثمرين أظهروا رغبة واضحة في تعزيز حيازاتهم من المعدن الأصفر، مدفوعين بالاضطرابات السياسية التي تزيد من جاذبية الذهب كأفضل وعاء لحفظ القيمة في أوقات الأزمات.

تحليل الأحداث الجيوسياسية المؤثرة:

  1. الأزمة الفنزويلية المتفاقمة: أدى تحرك الولايات المتحدة لاحتجاز ناقلة نفط مرتبطة بفنزويلا، تزامناً مع ملاحقة الرئيس السابق نيكولاس مادورو قضائياً، إلى بث موجة من القلق في أسواق الطاقة والمال. هذه التحركات تزيد من احتمالات فرض عقوبات جديدة أو حدوث اضطرابات في إمدادات النفط، مما يدفع السيولة عادةً نحو الذهب.
  2. التصعيد النوعي في أوروبا الشرقية: جاء إعلان موسكو عن استخدام صاروخ “أوريشنيك” الباليستي فرط الصوتي ليعيد تعريف مخاطر المواجهة في أوكرانيا. هذا التصعيد العسكري يضع الأسواق في حالة تأهب دائمة، حيث يهرب المستثمرون من الأصول ذات المخاطر العالية (مثل الأسهم) نحو الملاذات الآمنة، وهو ما يوفر دعماً قوياً لمستويات أسعار الذهب.

توقعات كبرى المصارف العالمية والديون السيادية

تبنى مصرف HSBC نظرة مستقبلية شديدة التفاؤل، مشيراً إلى احتمالية وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية غير مسبوقة عند 5000 دولار للأوقية بحلول النصف الأول من عام 2026. ولا تستند هذه التوقعات إلى التوترات الجيوسياسية فحسب، بل تمتد لتشمل المخاوف المتعلقة بتضخم الديون السيادية العالمية. فمع استمرار الحكومات في الاقتراض والإنفاق، تضعف الثقة في العملات الورقية، مما يجعل الذهب “العملة الوحيدة التي لا يمكن طباعتها”، وبالتالي المستفيد الأكبر من تآكل القوة الشرائية العالمية.

تقرير الوظائف الأمريكي وحساسية أسعار الفائدة

تترقب الأسواق العالمية بتركيز شديد بيانات الوظائف غير الزراعية (NFP) الأمريكية، حيث تشير التوقعات إلى إضافة نحو 60 ألف وظيفة فقط. هذا الرقم، إن تحقق، سيمثل تباطؤاً ملحوظاً في سوق العمل، مما يضغط على معدل البطالة ليهبط بشكل طفيف إلى 4.5%.

  • انعكاسات البيانات على الذهب: يرى المحللون أن أي قراءة دون مستوى 70 ألف وظيفة ستكون بمثابة “ضوء أخضر” للفيدرالي الأمريكي للاستمرار في سياسة خفض أسعار الفائدة. ومن المعروف اقتصادياً أن هناك علاقة عكسية بين الفائدة والذهب؛ فالفائدة المنخفضة تقلل من “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة المعدن الذي لا يقدم عائداً دورياً، مما يفتح الباب أمام أسعار الذهب لاختراق مستويات مقاومة جديدة.

أداء المعادن النفيسة والطلب المادي

لم يكن الذهب وحيداً في هذا السباق، فقد انعكس التفاؤل على المعادن الأخرى:

  • الفضة: ارتفعت بنسبة 0.6% لتصل إلى 77.37 دولاراً، مستفيدة من الطلب الصناعي والاستثماري المزدوج، وهي في طريقها لتحقيق مكاسب أسبوعية بنسبة 6%.
  • المعادن الصناعية: قفز البلاديوم بنسبة 3.1% ليصل إلى 1840.26 دولاراً، بينما استقر البلاتين فوق مستوى 2276 دولاراً، مدعوماً بمخاوف نقص الإمدادات.

وعلى مستوى الطلب المادي، أدت الأسعار المرتفعة إلى تراجع المشتريات في الهند (أكبر مستهلك في العالم)، بينما بدأ تجار الصين في رفع علاوات الأسعار فوق المعدلات العالمية مع عودة النشاط الشرائي بعد فترة العطلات، مما يشير إلى وجود طلب “كامِن” قد ينفجر في حال حدوث أي تصحيح سعري.

ختاما تظل أسعار الذهب في مرحلة “بناء قاعدة” سعرية قوية؛ فبينما تحاول الضغوط الفنية وجني الأرباح كبح الجماح، تظل المحركات الأساسية المتمثلة في التوترات العسكرية، الديون العالمية، وتوجهات الفائدة، بمثابة وقود يدفع الذهب نحو آفاق سعرية غير مسبوقة في عام 2026.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى