الدولار الأمريكي يستهل عام 2026 بالصعود: هل ينجح في تعويض خسائر العام الماضي؟

شهد سوق العملات العالمي مع بداية تداولات عام 2026 تحولاً لافتاً في معنويات المستثمرين، حيث استعاد الدولار الأمريكي بعضاً من بريقه المفقود، مستهلاً العام الجديد بنغمة إيجابية في أولى جلسات التداول. يأتي هذا الصعود التصحيحي بعد عام 2025 الذي وُصف بأنه الأقسى على “الجرينباك” منذ ثماني سنوات، حيث عانى من تراجعات حادة أمام سلة العملات العالمية نتيجة التحولات في توقعات التضخم والنمو. ويسود حالياً ترقب شديد من قبل المؤسسات المالية والمستثمرين لبيانات اقتصادية حاسمة ستصدر الأسبوع المقبل، والتي ستكون حجر الزاوية في رسم خريطة طريق أسعار الفائدة للفترة المقبلة.
أداء الدولار الأمريكي في مواجهة العملات الرئيسية
ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي، الذي يقيس القوة النسبية للعملة الخضراء مقابل سلة مكونة من ست عملات رئيسية، بنسبة 0.12% ليصل إلى مستوى 98.37 نقطة. هذا الارتفاع، وإن كان طفيفاً، يعكس محاولة السوق لاستيعاب الفجوة في السياسات النقدية بين واشنطن والعواصم الكبرى.
وفي المقابل، تراجع اليورو بنسبة 0.11% ليتم تداوله عند 1.1732 دولار، متأثراً بضغوط اقتصادية داخلية؛ حيث أظهرت مسوحات حديثة انكماش نشاط التصنيع في منطقة اليورو خلال شهر ديسمبر إلى أدنى مستوياته في تسعة أشهر. هذا التباين في الأداء يعزز من مكانة الدولار الأمريكي كملاذ آمن مؤقت، خاصة وأن اليورو كان قد حقق قفزة تجاوزت 13% في العام الماضي، مما يجعل مراكز الشراء الحالية عرضة لعمليات جني أرباح.
العوامل الهيكلية المؤثرة على تحركات “الجرينباك”
لا تزال هناك عدة ملفات اقتصادية وسياسية شائكة تلاحق الدولار الأمريكي مع مطلع هذا العام، ومن أبرزها:
- اتساع عجز الميزانية الأمريكية: تزايدت المخاوف بشأن الاستدامة المالية للولايات المتحدة على المدى الطويل، حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي العجز المتنامي إلى إضعاف الثقة في السندات الحكومية، وبالتالي الضغط على قيمة العملة.
- ديناميكيات الحروب التجارية: التوترات التجارية العالمية المتصاعدة تلقي بظلال كثيفة على سلاسل الإمداد، مما يخلق حالة من عدم اليقين حول تدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، وهو ما ينعكس مباشرة على تقلبات الدولار الأمريكي.
- استقلالية الاحتياطي الفيدرالي: يراقب المحللون بحذر شديد أي إشارات لتدخلات سياسية في قرارات البنك المركزي، حيث أن أي تآكل في استقلالية الفيدرالي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على توقعات التضخم، وهو سيناريو يخشاه سوق الصرف الأجنبي بشدة.
ترقب بيانات سوق العمل وقرارات الفائدة
يدخل المتداولون الأسبوع المقبل وهم يترقبون “أجندة مزدحمة” من البيانات الماكرو-اقتصادية التي ستغطي قطاعات التوظيف والخدمات. وستكون هذه البيانات هي البوصلة الحقيقية التي ستحدد ما إذا كان بنك الاحتياطي الفيدرالي سيستمر في نهجه التيسيري وخفض الفائدة، أم سيتجه نحو التثبيت لمواجهة أي ضغوط تضخمية مفاجئة.
ويؤكد جوزيف دحرية، المدير العام في “Tickmill”، أن حالة الحذر التي تسود الأسواق حالياً مبررة تماماً، حيث أن بيانات الوظائف غير الزراعية المقرر صدورها يوم الجمعة ستمثل الاختبار الأول لقوة الاقتصاد الأمريكي في 2026، وبناءً عليها سيتم إعادة تسعير قيمة الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى.
ترامب ومعضلة رئاسة “الفيدرالي” القادمة
يمثل شهر يناير 2026 منعطفاً سياسياً واقتصادياً هاماً، حيث يترقب العالم إعلان الرئيس دونالد ترامب عن مرشحه لمنصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي. ومع انتهاء ولاية جيروم باول في مايو، تزداد التكهنات بأن الإدارة القادمة ستدفع بشخصية تتبنى فكراً “حمائمياً” (Dovish) يدعم خفض تكاليف الاقتراض بشكل جريء لتحفيز النمو.
هذا التوجه، رغم كونه محفزاً للأسواق المالية، قد يشكل ضغطاً نزولياً على الدولار الأمريكي، حيث أن أسعار الفائدة المنخفضة تقلل من جاذبية العملة للمستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة. وقد أشار استراتيجيون في “غولدمان ساكس” إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير “خطر القيادة”، حيث يعتبرون أن تغيير هوية رئيس الفيدرالي هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل مخاطر توقعات الفائدة تميل نحو الانخفاض.
الين الياباني: الاستثناء والمخاوف من التدخل
بينما شهدت معظم العملات هدوءاً نسبياً، ظل الين الياباني تحت وطأة الضغوط، متراجعاً بنسبة 0.11% مقابل الدولار الأمريكي ليصل إلى مستويات 156.84 ين. ورغم الخطوات التاريخية التي اتخذها بنك اليابان برفع الفائدة مرتين في العام الماضي، إلا أن الأسواق لا تزال ترى أن الوتيرة بطيئة للغاية مقارنة بالفجوة السعرية مع الدولار.
هذا الضعف المستمر وضع الين بالقرب من أدنى مستوياته في 10 أشهر، مما يضع صناع السياسة النقدية في طوكيو تحت المجهر؛ حيث تزداد احتمالات تدخل البنك المركزي الياباني في سوق الصرف الأجنبي لدعم العملة الوطنية إذا ما استمر الدولار الأمريكي في صعوده الجامح أمام الين.
الخلاصة والرؤية المستقبلية
في الختام، يبدو أن عام 2026 سيكون عام “إعادة ترتيب الأوراق” بالنسبة لعملة الدولار الأمريكي. فبين مطرقة البيانات الاقتصادية المحلية وسندان التحولات السياسية والضغوط الجيوسياسية، يجد “الجرينباك” نفسه في رحلة بحث مضنية عن نقطة توازن جديدة. وسيبقى المتداولون في حالة استنفار بانتظار إشارات أوضح من البنك المركزي ومن البيت الأبيض لتحديد الاتجاه طويل الأمد للعملة الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضا…



