أخبار الأسواقأخبار النفطسلع

أسعار النفط تشهد استقرار حذر وسط تعثر مفاوضات السلام وتصاعد التوترات الجيوسياسية

تشهد أسعار النفط حالة من الاستقرار المائل للترقب الشديد في تعاملات اليوم الثلاثاء، حيث يسعى المستثمرون وصناديق التحوط لإيجاد موطئ قدم وسط ضبابية المشهد السياسي العالمي. ويقيم المتعاملون بدقة تناهي الآمال بشأن التوصل إلى اتفاق سلام سريع بين روسيا وأوكرانيا، بالتزامن مع اشتعال الجبهات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في اليمن، مما يضع علاوة مخاطر إضافية على كل برميل يتم تداوله.

أداء العقود الآجلة: تحركات طفيفة تعكس حيرة الأسواق

في أسواق المشتقات، سجلت العقود الآجلة لخام برنت تسليم فبراير (والتي يحل أجلها اليوم) ارتفاعاً طفيفاً بنحو 15 سنتاً لتصل إلى 62.09 دولاراً للبرميل. هذا الارتفاع الطفيف يعكس رغبة المتداولين في تصفية مراكزهم المالية قبل نهاية الشهر دون الانخراط في رهانات كبيرة. أما عقد مارس الأكثر نشاطاً وسيولة، فقد ارتفع بمقدار 12 سنتاً ليصل إلى 61.61 دولاراً، مما يشير إلى أن السوق تتوقع استمرار حالة التذبذب في المدى المتوسط.

وعلى الجانب الآخر من المحيط، حقق خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) مكاسب قدرها 14 سنتاً، ليستقر عند 58.22 دولاراً للبرميل. تأتي هذه التحركات الهادئة نسبياً بعد جلسة صاخبة يوم أمس، حيث أغلقت الأسعار على مكاسب تجاوزت 2%، مدفوعة بموجة فزع لحظية من تعطل سلاسل الإمداد العالمية إثر الضربات العسكرية الأخيرة.

العوامل الجيوسياسية: المحرك الاستراتيجي لعلاوة المخاطر

تتأثر أسعار النفط حالياً بمزيج معقد من الأحداث السياسية المتسارعة التي تعيد رسم خارطة المخاطر الجيوسياسية:

  1. الملف الروسي الأوكراني وتآكل الثقة: تلاشت آمال التهدئة التي كانت تراهن عليها الأسواق مؤخراً، خاصة بعد الاتهامات المباشرة التي وجهتها موسكو لكييف باستهداف مقر الرئاسة الروسية “الكرملين”. ورغم النفي الأوكراني القاطع لهذه المزاعم ووصفها بأنها “ذريعة لتصعيد عسكري”، إلا أن مجرد طرح هذه الفرضية أدى إلى تجمد المسار التفاوضي. وفي هذا السياق، يرى “إد مير”، المحلل البارز في شركة Marex، أن السوق بدأ يستوعب حقيقة قاسية وهي أن “الصفقة السلمية باتت بعيدة المنال في الوقت الراهن”، مما يعني بقاء النفط الروسي تحت طائلة العقوبات والتهديدات المستمرة.
  2. التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط: عادت منطقة جنوب البحر الأحمر لتصدر المشهد بعد غارات مكثفة للتحالف بقيادة السعودية ضد ما وصفه بدعم عسكري أجنبي للقوى الانفصالية في اليمن. هذه التطورات لا تهدد الممرات الملاحية فحسب، بل تزيد من حدة الاستقطاب بين القوى الإقليمية الكبرى في الخليج، مما يضيف “طبقة من عدم اليقين” حول أمن المنشآت النفطية وقدرة الإمدادات على التدفق بسلاسة من أهم منطقة لإنتاج الخام في العالم.
  3. الضغوط الأمريكية والملف الإيراني: زادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حدة الترقب، حيث لوح بإمكانية دعم ضربات عسكرية واسعة النطاق ضد طهران في حال استمرت في برامجها البالستية أو النووية. هذه التصريحات تعمل كـ “محفز صعودي” للأسعار، لأنها تنذر بعودة سيناريوهات إغلاق مضيق هرمز أو فرض عقوبات أشد صرامة تقلص المعروض الإيراني في السوق الدولية.

صراع الإرادات بين المخاطر وفائض المعروض

رغم هذه الأجواء المشحونة التي تدفع أسعار النفط صعوداً، إلا أن هناك قوى كبح قوية تفرضها أساسيات العرض والطلب. يراقب المحللون بقلق مؤشرات التباطؤ الاقتصادي في بعض القوى الصناعية الكبرى، مما يعزز فرضية “السوق المتخمة بالمعروض”.

وتشير التحليلات الفنية الصادرة عن Marex إلى أن الأسعار قد تتعرض لضغوط هبوطية ملموسة مع الدخول في الربع الأول من عام 2026. وتعود هذه النظرة التشاؤمية إلى توقعات بحدوث “تخمة نفطية متزايدة” نتيجة ارتفاع الإنتاج من خارج منظمة أوبك وزيادة الكفاءة في استهلاك الطاقة، وهي عوامل قد تمتص صدمة التوترات الجيوسياسية وتؤدي في النهاية إلى تصحيح سعري نحو الأسفل إذا ما هدأت حدة المدافع.

ختاما تظل بوصلة أسعار النفط معلقة بين المطرقة السياسية والسندان الاقتصادي. فبينما توفر الجبهات المشتعلة في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط دعماً نفسياً وفنياً للأسعار فوق مستويات الـ 60 دولاراً، يبقى الفائض الهيكلي في المعروض هو التحدي الاستراتيجي الذي سيختبر وحدة صف “أوبك+” وقدرتها على تحقيق التوازن في الأسواق خلال العام القادم.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى