الدولار الأمريكي يتجه نحو أسوأ أداء سنوي منذ 2017

تشهد أسواق الفوركس تحولاً دراماتيكياً مع نهاية عام 2025، حيث يواجه الدولار الأمريكي ضغوطاً بيعية حادة تضعه على المسار الصحيح لتسجيل أكبر انخفاض سنوي له منذ قرابة ثماني سنوات. وسط تزايد الرهانات على خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية، يراقب المستثمرون عن كثب مستقبل العملة الخضراء في مواجهة العملات الرئيسية الأخرى والذهب، في ظل مشهد مالي يتسم بعدم اليقين.
تراجع تاريخي للدولار الأمريكي في 2025
استقر الدولار الأمريكي في وضعية دفاعية قلقة مع اقتراب نهاية تداولات العام، حيث تشير البيانات الصادرة عن الأسواق الفورية إلى احتمالية تسجيل تراجع سنوي إجمالي يصل إلى 9.8% مقابل سلة من العملات العالمية الرئيسية. هذا الانخفاض الحاد، في حال استمراره خلال الأسبوع الأخير من العام، لن يمثل فقط أكبر هبوط سنوي منذ عام 2017، بل قد يمتد ليصبح الأسوأ من نوعه منذ الأزمة المالية التي شهدها العام 2003، مما يضع علامات استفهام كبرى حول استدامة قوة العملة الأمريكية في المدى المتوسط.
وقد هبط مؤشر الدولار (DXY) – الذي يقيس أداء العملة أمام ست عملات رئيسية – إلى أدنى مستوى له في عشرة أسابيع مستقراً عند 97.767 نقطة. هذا الهبوط لم يكن مجرد تقلب عابر، بل عكس تآكلاً تدريجياً في ثقة المستثمرين تجاه الأصول المقومة بالدولار، مدفوعاً بمزيج من البيانات الاقتصادية المتباينة والمخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي المحلي مقارنة بالشركاء التجاريين.
الفيدرالي والسياسة النقدية: هل انتهى عصر التشديد النفدي؟
يرى المحللون والخبراء الاقتصاديون أن المحرك الجوهري لضعف الدولار الأمريكي يكمن في التباين المتزايد في توجهات السياسة النقدية العالمية. فبينما تبدو البنوك المركزية الكبرى في أوروبا وأوقيانوسيا وكأنها قد استنفدت دورات التيسير الكمي وبدأت تميل نحو التثبيت أو حتى الرفع، لا يزال المستثمرون يراهنون بقوة على أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لا يزال يمتلك “شهية” ومساحة كافية لمزيد من خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026 للتحوط ضد أي ركود محتمل.
وفي هذا السياق التحليلي، أوضح “ديفيد ميريكل”، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في “غولدمان ساكس”، الرؤية المستقبلية قائلاً: “نحن نتوقع أن تتبنى اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة نهجاً وسطياً يتمثل في إجراء خفضين إضافيين بمقدار 25 نقطة أساس لكل منهما، ليصل سعر الفائدة المستهدف إلى نطاق 3-3.25%؛ ومع ذلك، فإننا نرى أن المخاطر تظل مائلة نحو الجانب الهبوطي، خاصة مع ظهور إشارات واضحة على تباطؤ التضخم الأساسي ووصوله إلى مستويات تتيح للفيدرالي التحرك بمرونة أكبر”.
تأثير الرسوم الجمركية واستقلالية الفيدرالي
لم يكن عام 2025 عاماً عادياً بالنسبة للعملة الأمريكية؛ فقد تعرضت لسلسلة من الصدمات الناجمة عن السياسات الجمركية التي تبنتها الإدارة الحالية، والتي أدت في كثير من الأحيان إلى اضطراب سلاسل التوريد وإثارة مخاوف من حروب تجارية شاملة. هذه السياسات لم تكتفِ بزعزعة الاستقرار التجاري، بل أثارت أزمة ثقة عميقة في جاذبية السندات الأمريكية.
علاوة على ذلك، برزت قضية “استقلالية البنك المركزي” كواحد من أهم الهواجس التي تؤرق الأسواق؛ حيث أثار تزايد نفوذ السلطة التنفيذية ومحاولات الضغط على قرارات الاحتياطي الفيدرالي تساؤلات حول مصداقية السياسة النقدية في المستقبل. هذا التدخل المحتمل يُنظر إليه كعامل ضعف هيكلي قد يدفع رؤوس الأموال للبحث عن ملاذات أكثر استقراراً بعيداً عن الدولار الأمريكي.
أداء العملات المقابلة: اليورو والجنيه الإسترليني في الصدارة
على المقلب الآخر، كان المستفيد الأكبر من تراجع العملة الخضراء هو اليورو، الذي قفز بمكاسب سنوية لافتة تجاوزت 14%، مسجلاً أفضل أداء له منذ أكثر من عقدين. استقر اليورو عند مستويات قوية حول 1.180 دولار، مدعوماً بقرارات البنك المركزي الأوروبي الذي اختار “التريث” وتثبيت الفائدة، مع تعديل توقعاته للنمو الاقتصادي صعوداً، مما أرسل إشارة واضحة للأسواق بأن عصر الأموال الرخيصة في منطقة اليورو قد اقترب من نهايته.
أما الجنيه الإسترليني، فقد أثبت مرونة كبيرة محققاً مكاسب تجاوزت 8% خلال العام. هذه القوة نابعة من قناعة المستثمرين بأن بنك إنجلترا سيسلك مساراً أكثر تشدداً وحذراً في خفض الفائدة مقارنة بنظيره الأمريكي، وهو ما جعل الإسترليني وجهة مفضلة لصفقات “الفائدة المرتفعة” (Carry Trade) في مواجهة الدولار الضعيف.
الين الياباني: ترقب حذر لتدخل “اللحظة الأخيرة”
تظل الأنظار شاخصة نحو اليابان، حيث يمثل الين حالة خاصة من الترقب. فرغم التحسن الطفيف مؤخراً، لا يزال المتداولون في حالة استنفار قصوى تحسباً لتدخل مباشر من وزارة المالية اليابانية. وقد جاءت تصريحات وزيرة المالية، “ساتسوكي كاتاياما”، لتؤكد جدية الموقف بقولها إن اليابان تمتلك “يداً مطلقة” للتدخل ضد التحركات “المفرطة والمضاربية” للعملة.
هذه النبرة الحازمة نجحت بالفعل في وقف نزيف الين مؤقتاً، حيث استقر الدولار الأمريكي مقابل الين عند مستويات 155.83. ويرى المحللون أن توقيت التدخل قد يكون مثالياً مع تراجع أحجام التداول في نهاية العام، مما يمنح السلطات اليابانية تأثيراً مضاعفاً على حركة السعر.
الذهب كملجأ أخير في وجه التقلبات
في الوقت الذي كانت فيه العملات الورقية تتصارع، كان الذهب يبني مجده الخاص، حيث أثبت مجدداً أنه “الملاذ الآمن” التقليدي. فقد تفوق المعدن الأصفر على جميع العملات، بما في ذلك الدولار الأمريكي، مسجلاً مستويات قياسية تاريخية غير مسبوقة. هذا الارتفاع لم يكن مجرد استجابة لضعف الدولار، بل كان تعبيراً عن رغبة عالمية في التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة والمخاوف من استمرار الضغوط التضخمية في بعض القطاعات، مما جعل الذهب الخيار الأول لتنويع المحافظ الاستثمارية.
ختاما يختتم الدولار الأمريكي عامه وهو يواجه تحديات معقدة؛ فبين ضغوط التضخم المتباطئ في الداخل، والسياسات التجارية المثيرة للجدل، وتصاعد قوة العملات المنافسة، يبدو أن طريق التعافي لن يكون سهلاً. سيبقى المسار خلال عام 2026 رهناً بمدى مرونة الاقتصاد الأمريكي وقدرة الفيدرالي على الموازنة بين دعم النمو والحفاظ على قيمة العملة. وبالنسبة للمستثمرين في المنطقة العربية، تظل مراقبة هذه التحولات ضرورة قصوى، نظراً لارتباط معظم العملات العربية والتدفقات النفطية بشكل وثيق بتحركات العملة الخضراء، مما يؤثر مباشرة على القوة الشرائية وتكاليف التمويل السيادي.
اقرأ أيضا…



