أسعار النفط تواصل الارتفاع للجلسة السادسة

تشهد أسعار النفط حالة من الانتعاش الملحوظ والمستمر خلال تعاملات يوم الأربعاء، حيث نجحت في تسجيل مكاسب للجلسة السادسة على التوالي في موجة صعود هي الأطول منذ فترة. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بتضافر مجموعة من العوامل الأساسية، تتصدرها البيانات الاقتصادية القوية القادمة من الولايات المتحدة، إلى جانب تصاعد حدة المخاطر الجيوسياسية التي تهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما التحركات الأخيرة المتعلقة بفنزويلا والمواجهات المستمرة في منطقة شرق أوروبا.
مكاسب تدريجية وسط ترقب حذر
في سوق المعاملات، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت العالمي بمقدار 15 سنتاً، أي ما يعادل 0.2%، لتستقر عند 62.53 دولاراً للبرميل. وفي الوقت ذاته، سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) زيادة بمقدار 18 سنتاً، أو 0.3%، ليصل إلى مستوى 58.56 دولاراً للبرميل.
هذا الأداء الإيجابي يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى المسار الزمني القريب؛ فقد حقق كلا العقدين مكاسب تراكمية بنحو 6% منذ منتصف ديسمبر الجاري. وتُعد هذه القفزة محاولة جادة من السوق لتعويض الخسائر الحادة التي تكبدها في وقت سابق من الشهر، عندما هوت الأسعار إلى مستويات قياسية هي الأدنى في خمس سنوات، مما يعكس تحولاً في معنويات المتداولين من التشاؤم المفرط إلى التفاؤل الحذر.
العوامل المحركة لارتفاع أسعار النفط
1. مرونة الاقتصاد الأمريكي وتأثيرها على الطلب
أظهرت أحدث البيانات الرسمية أن الاقتصاد الأمريكي، المحرك الأول للطلب العالمي على الطاقة، قد نما بأسرع وتيرة له منذ عامين خلال الربع الثالث. لم يكن هذا النمو مجرد رقم عابر، بل كان مدفوعاً بإنفاق استهلاكي قوي غير متوقع، وهو ما يعطي إشارة مباشرة لزيادة استهلاك الوقود والمشتقات النفطية.
علاوة على ذلك، ساهم الانتعاش الحاد في الصادرات الأمريكية في تعزيز الثقة بأن الدورة الاقتصادية لا تزال في مرحلة التوسع، مما يقلل من مخاوف الركود التي كانت تضغط على أسعار النفط. إن استمرار هذا الزخم يعني بالضرورة زيادة الضغط على المخزونات لمواجهة الاحتياجات التشغيلية للصناعات وحركة النقل والمواصلات.
2. الاختناقات الجيوسياسية: فنزويلا وروسيا كحجر زاوية
تعتبر اضطرابات الإمدادات الفنزويلية حالياً هي المحرك الأكثر تأثيراً في الجانب المتعلق بالمعروض. فالحصار الذي فرضته الإدارة الأمريكية على السفن المرتبطة بالنظام الفنزويلي أدى إلى حالة من الشلل في حركة الصادرات من هناك؛ حيث تقبع أكثر من 12 سفينة عملاقة محملة بالخام في عرض البحر دون القدرة على تفريغ حمولاتها أو التوجه لمقاصدها النهائية.
بالتوازي مع ذلك، يضيف الصراع المستمر بين روسيا وأوكرانيا طبقة إضافية من عدم اليقين؛ فالهجمات المتبادلة التي تستهدف البنية التحتية للطاقة، مثل المصافي ومستودعات التخزين، تثير مخاوف حقيقية من انقطاعات فجائية في الإمدادات الروسية نحو الأسواق العالمية. هذه التوترات لا ترفع الأسعار بناءً على نقص فعلي في البراميل فحسب، بل بناءً على “علاوة المخاطر” التي يضيفها المستثمرون تحسباً لأي سيناريوهات تصعيدية مستقبلية.
التوقعات السنوية: صراع بين العوامل الآنية والهيكلية
على الرغم من الانتعاش الذي نشهده في الجلسات الست الأخيرة، إلا أن الصورة الكلية للعام لا تزال تميل نحو الهبوط. فمن المتوقع أن تسجل أسعار النفط أكبر انخفاض سنوي لها منذ عام 2020، وهو العام الذي شهد شللاً كاملاً بسبب جائحة كورونا. ويشير المحللون إلى احتمالية إغلاق خام برنت على تراجع بنسبة 16% وخام غرب تكساس بنسبة 18% بنهاية ديسمبر.
ويكمن التحدي الهيكلي في أن المعروض العالمي لا يزال يتفوق على وتيرة نمو الطلب. ويرى خبراء في مؤسسات دولية مثل “MUFG” و”IG” أن المكاسب الجيوسياسية الحالية، رغم قوتها، قد تكون مؤقتة إذا لم يتبعها خفض حقيقي ومستدام في الإنتاج العالمي أو طفرة اقتصادية شاملة في الأسواق الناشئة توازي المعروض المتاح.
قراءة في بيانات المخزونات الأمريكية الأخيرة
أفادت تقارير معهد البترول الأمريكي (API) بارتفاع مخزونات الخام بنحو 2.39 مليون برميل، مع زيادات طفيفة في مخزونات البنزين والمقطرات. هذا الارتفاع في المخزونات يعمل عادة ككابح لارتفاع الأسعار، لكن في الوقت الحالي، يبدو أن الأسواق تولي أهمية أكبر للمخاطر الجيوسياسية ونمو الناتج المحلي الإجمالي. وتتجه الأنظار الآن نحو التقرير الرسمي لإدارة معلومات الطاقة (EIA)، والذي سيوفر البيانات النهائية والمدققة التي سيبني عليها المتداولون مراكزهم المالية قبل إغلاق العام.
ختاما تظل أسعار النفط في حالة توازن حرج بين مطرقة البيانات الاقتصادية الأمريكية الإيجابية وسندان فائض المعروض الهيكلي. وبينما توفر الأزمات الجيوسياسية في فنزويلا وشرق أوروبا دعماً فنياً ونفسياً للأسعار في المدى القصير، يبقى الحذر هو الاستراتيجية الأمثل مع اقتراب نهاية السنة المالية. إن أي تهدئة في حدة العقوبات أو زيادة مفاجئة في الإنتاج من خارج منظمة أوبك بلس قد تعيد الضغوط الهبوطية إلى الواجهة مجدداً.
اقرأ أيضا…



