انخفاض حاد في أسعار النفط دون 60 دولار

شهدت أسعار النفط العالمية يوم الثلاثاء انخفاضاً حاداً بأكثر من دولار واحد للبرميل، لتكسر حاجز الـ 60 دولاراً لأول مرة منذ مايو من هذا العام. ويأتي هذا التراجع تحت ضغط مزيج من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية المعقدة، أبرزها التفاؤل المتزايد بإبرام اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما يعني نظرياً تخفيفاً للعقوبات وعودة الإمدادات، بالإضافة إلى البيانات الاقتصادية الضعيفة التي صدرت مؤخراً من الصين، والتي ألقت بظلال من الشك على آفاق استهلاك الطاقة في النصف الثاني من العام.
فقد تراجعت العقود الآجلة لخام برنت، المعيار العالمي، بنسبة 1.8%، لتصل إلى 59.45 دولاراً للبرميل، مسجلة بذلك أدنى إغلاق في عدة أشهر. في المقابل، انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط (WTI)، المعيار الأمريكي، بنحو 2%، ليتم تداوله عند 55.71 دولاراً للبرميل. هذه المستويات تشير إلى تحول كبير في معنويات السوق من حالة الشح النسبي إلى التركيز على المخاطر المرتبطة بالمعروض الزائد.
احتمالية تدفق الإمدادات الروسية من جديد تضغط أسعار النفط
يعد التقدم المحتمل في مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا الدافع الأكبر وراء الانخفاض الأخير في أسعار النفط. إن التوقعات بإنهاء الصراع تعني إزالة أحد أهم عوامل عدم اليقين التي دعمت الأسعار في العامين الماضيين. وعلّق يانيف شاه، المحلل لدى “ريستاد”، على أن “خام برنت تراجع هذا الصباح إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ أشهر، مع تقييم السوق لاحتمالية أن يؤدي اتفاق سلام محتمل إلى إتاحة كميات روسية إضافية وزيادة تخمة المعروض في السوق”. هذا السيناريو يفترض أن تدفق كميات نفط روسية كبيرة إلى الأسواق العالمية سيعمل على إغراقها بشكل سريع، مما يتطلب إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيات الإنتاج من قبل “أوبك+” وكبار المنتجين الآخرين.
ويُعزز هذا التفاؤل تقارير تشير إلى إحراز تقدم فعلي وملموس في محادثات إنهاء الحرب، بما في ذلك عرض أمريكي بتقديم “ضمانات أمنية” لكييف على غرار حلف الناتو، مما يرفع سقف التوقعات بتخفيف محتمل للعقوبات المفروضة على النفط الروسي وإعادة اندماجه في النظام التجاري العالمي. وكانت هذه العقوبات هي السبب الرئيسي في إعادة رسم خرائط التجارة العالمية للطاقة، وتخفيفها يعني عودة الوضع إلى طبيعته تدريجياً، مع ما يترتب على ذلك من ضغط هبوطي على أسعار النفط الفورية والآجلة.
ومع ذلك، تبقى المفاوضات شاقة وحذرة. فقد أشار نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي ريابكوف، لوكالة تاس بأن بلاده غير مستعدة لتقديم أي تنازلات إقليمية، مما يشير إلى أن الطريق إلى السلام لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات. إن هذا التصلب في المواقف يُذكّر بأن أي تفاؤل بشأن السلام يجب أن يُقابل بحذر، وأن أي فشل في التوصل إلى اتفاق قد يدفع الأسعار للارتفاع مرة أخرى مع عودة عوامل المخاطرة الجيوسياسية لتسيطر على المشهد. يتطلب الأمر أكثر من مجرد “تقدم” في المحادثات لضمان انخفاض مستدام في الأسعار؛ بل يجب أن يتحقق وقف فعلي وكامل لإطلاق النار.
البيانات الصينية تشعل مخاوف متجددة بشأن الطلب العالمي
إضافة إلى العامل الجيوسياسي، جاءت البيانات الاقتصادية المخيبة للآمال من الصين لتزيد من الضغط الهبوطي على أسعار النفط. وتُعتبر الصين، ليس فقط ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم، بل هي محرك أساسي لنمو الطلب العالمي، مما يجعل أدائها الاقتصادي مؤشراً حيوياً لا يمكن تجاهله.
وأشار توني سيكامور، محلل السوق في “IG”، إلى أن “البيانات الاقتصادية الصينية الهشة التي صدرت يوم الاثنين أثارت مخاوف جديدة من أن الطلب العالمي قد لا يكون قوياً بما يكفي لاستيعاب نمو الإمدادات الأخير”. ويُعزى هذا التباطؤ إلى عوامل هيكلية داخل الاقتصاد الصيني، بما في ذلك التحديات المستمرة في قطاع العقارات، وتردد المستهلكين في الإنفاق.
وأظهرت البيانات الرسمية تباطؤ نمو الإنتاج الصناعي في الصين إلى أدنى مستوى له في 15 شهراً، وهي علامة واضحة على تراجع نشاط المصانع والقطاع الصناعي الذي يُعد مستهلكاً شرهاً للوقود. كما سجلت مبيعات التجزئة أبطأ وتيرة نمو لها منذ ديسمبر 2022، وهو الشهر الذي شهد ذروة جائحة كوفيد-19. هذا التباطؤ في المحرك الاقتصادي الآسيوي الرئيسي يلقي بظلاله على التوقعات المستقبلية لاستهلاك الطاقة، ويشير إلى أن توقعات النمو الاقتصادي العالمي قد تكون أقل تفاؤلاً مما كان يُعتقد سابقاً، مما يقلل من هامش الأمان أمام زيادة المعروض.
شبح زيادة المعروض يلوح في الأفق
في الوقت الذي تعمل فيه عوامل العرض والطلب على خفض أسعار النفط، يرى بعض المحللين أن الاتجاه الهبوطي سيستمر حتى مطلع العام القادم.
ويقول جون إيفانز، المحلل لدى “PVM Oil Associates”: “سيقابل الصراع في المحادثات استمرار التراجع في الأسعار مع دخولنا عام 2026 وكل التوقعات المرتبطة به بشأن ‘التخمة’ في السوق”. ويضيف إيفانز، متوقعاً مستويات سعرية جديدة: “خام برنت سيسجل أدنى مستوى له هذا العام، لكنه لن يكسر حاجز الـ 55 دولاراً للبرميل قبل نهاية العام الجاري”. وتشير هذه التوقعات إلى أن السوق يستوعب بالفعل سيناريو زيادة الإمدادات، لكنه لا يتوقع انهياراً كاملاً في الأسعار بسبب استمرار الطلب الأساسي وتدخلات “أوبك+” المحتملة.
وعلى الرغم من محاولات السوق لامتصاص صدمات العرض، مثل قيام الولايات المتحدة بمص ناقلة نفط قبالة سواحل فنزويلا الأسبوع الماضي، إلا أن هذه الإجراءات العقابية لم يكن لها تأثير كبير أو مستدام على أسعار النفط. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل متزامنة: أولاً، وجود تخمة كبيرة في المخزون العائم (النفط المخزّن في الناقلات في البحر)؛ وثانياً، قيام المشترين الصينيين بتعويض أي نقص محتمل عبر زيادة شراء النفط الفنزويلي بشكل استباقي تحسباً لاستمرار أو تشديد العقوبات. هذا السلوك الاستباقي من المستهلكين الرئيسيين يحدّ من فعالية الضغوط الجيوسياسية الجديدة في رفع الأسعار، ويدعم السرد القائل بوجود فائض محتمل في العرض.
ختاما يبقى المشهد الحالي لأسعار النفط محفوفاً بالمخاطر الهبوطية بشكل واضح، حيث يتصارع التفاؤل السياسي بإنهاء الصراع في أوروبا مع حقائق التباطؤ الاقتصادي في آسيا. ومع دخول السوق مرحلة ترقب حاسمة للتطورات الجيوسياسية ومؤشرات الطلب القادمة، يتجه تركيز المستثمرين نحو مدى قدرة العرض العالمي على استيعاب أي تدفقات نفطية إضافية في ظل ضعف النمو الاقتصادي المتوقع. يشير كسر حاجز الـ 60 دولاراً إلى أن قوى السوق قد بدأت تسعّر سيناريو التخمة بشكل جدي، مما يتطلب متابعة دقيقة لقرارات الإنتاج المستقبلية.
اقرأ أيضا…



