تراجع الدولار الأمريكي: الأسباب والتداعيات بعد قرارات الفيدرالي والبنك السويسري
عاد مؤشر الدولار الأمريكي ليواجه ضغوط البيع في الأسواق العالمية، مسجلاً تراجعاً لليوم الثاني على التوالي مقابل معظم العملات الرئيسية، وذلك في أعقاب قرار الاحتياطي الفيدرالي الذي حمل رسائل أقل تشدداً مما كان يتوقعه بعض المتعاملين. كان التوقع السائد يتجه نحو “خفض متشدد” يقترن بتحذيرات صارمة، لكن البنك المركزي لم يقدم هذا التشديد، مما أطلق موجة من عمليات بيع الدولار الأمريكي. تزامن هذا التراجع مع ارتفاع ملحوظ للفرنك السويسري، الذي عززه قرار البنك الوطني السويسري (SNB) تثبيت أسعار الفائدة.
تفاصيل قرار الاحتياطي الفيدرالي وتفسير “الخفض الأقل تشدداً”
على الرغم من أن قرار الفيدرالي يوم الأربعاء بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس كان متوقعاً، إلا أن رد فعل السوق ركز بشكل أكبر على لهجة رئيس الفيدرالي جيروم باول، وتوقعات البنك الاقتصادية، وتوزيع الأصوات داخل لجنة السياسة النقدية.
جاءت المفاجأة النسبية في أن توقعات الفيدرالي أبقت على خفض واحد لأسعار الفائدة في متوسط توقعات عام 2026، مع وجود معارضين اثنين فقط لقرار الخفض. وقد علّق كريس تيرنر، الرئيس العالمي للأسواق في بنك ING، بأن “المستثمرين كانوا يتأهبون لخفض متشدد للفائدة. في النهاية، كان هناك معارضان اثنان فقط للخفض، وأبقى الفيدرالي على خفض سعر الفائدة في توقعاتهم المتوسطة لعام 2026”. وهذا يشير إلى أن الفيدرالي لم يرغب في “أن يُحاصر” في زاوية التوقف المؤقت، مفضلاً ترك خيار التيسير المستقبلي مطروحاً، وهو ما يُعد إشارة لينة (Dovish) تضغط على قيمة الدولار الأمريكي.
إضافة إلى التوقعات بشأن الفائدة، أعلن الفيدرالي عن نيته البدء في شراء سندات حكومية قصيرة الأجل (أذون الخزانة) اعتباراً من 12 ديسمبر، بإجمالي 40 مليار دولار أمريكي في الجولة الأولية، في خطوة تهدف إلى إدارة مستويات السيولة في السوق المصرفية. هذا الإجراء، الذي يسمى أحياناً “التيسير الكمي المصغر”، عزز الطلب على سندات الخزانة، مما أدى بطبيعة الحال إلى انخفاض العائد عليها. وبما أن قيمة الدولار الأمريكي تتأثر إيجاباً بزيادة العوائد، فإن انخفاضها يقلل من جاذبية العملة، مما زاد الضغط الهبوطي على العملة الخضراء في أسواق العملات الأجنبية (الفوركس).
أداء العملات الرئيسية وصعود الفرنك السويسري في ظل مرونة الفيدرالي
في ظل تراجع جاذبية الدولار الأمريكي كعملة ذات عائد مرتفع، سجلت العملات الأخرى مكاسب قوية، حيث استفادت من التباين في السياسة النقدية:
- اليورو: ارتفع إلى 1.1713 دولار أمريكي، مسجلاً أعلى مستوى له في شهرين تقريباً، بعد ارتفاع بنسبة 0.6% في اليوم السابق، مع تزايد الاعتقاد بأن البنك المركزي الأوروبي لن يضطر إلى التيسير بنفس سرعة الفيدرالي.
- الجنيه الإسترليني: استقر عند 1.1338 دولار أمريكي، محافظاً على مكاسبه السابقة، مدعوماً بتوقعات بأن بنك إنجلترا ربما يتجه نحو الحفاظ على سياسته الحالية لفترة أطول.
- الين الياباني: تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنسبة 0.2% مقابل الين ليصل إلى 155.7 ين.
أما الحدث الأبرز، فكان صعود الفرنك السويسري، عملة الملاذ الآمن، بعد أن أبقى البنك الوطني السويسري (SNB) على سعر سياسته دون تغيير عند 0% كما كان متوقعاً. دعم البنك قراره بالإشارة إلى تحسن التوقعات الاقتصادية، مدعوماً باتفاقية أخيرة لخفض الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع السويسرية. على الرغم من أن قوة الفرنك تضغط بشدة على هدف البنك للتضخم (عبر جعل الواردات أرخص)، فقد أكد رئيس البنك، مارتن شليغل، أن العتبة اللازمة للعودة إلى أسعار الفائدة السلبية – التي سبق أن استخدمتها سويسرا لسنوات – لا تزال مرتفعة. نتيجة لذلك، تراجع الدولار الأمريكي بنسبة 0.46% مقابل الفرنك، مسجلاً أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع عند 0.7963 فرنك، مما يعكس ثقة السوق في أن البنك السويسري لن يتدخل لبيع عملته في المدى القريب.
تداعيات الأرباح والمخاطر العالمية على الأصول المشفرة
لم يقتصر الأمر على قرارات البنوك المركزية، فقد وجدت العملة الأمريكية بعض الدعم المؤقت في وقت لاحق من الأسبوع بعد أن أدت الأرباح المخيبة للآمال لعملاق الحوسبة السحابية الأمريكي “أوراكل” إلى تجدد المخاوف في قطاع التكنولوجيا. أثارت النتائج تساؤلات حول ما إذا كانت التكاليف المتزايدة للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تفوق قدرة الشركات على تحقيق الأرباح. وقد ساهم هذا في انزلاق الأسهم الآسيوية والعقود الآجلة الأمريكية، ما خلق بيئة “عزوف عن المخاطرة” (Risk-off) أعطت الدولار الأمريكي دافعاً مؤقتاً كملجأ آمن، لكنه لم يفعل الكثير سوى إبطاء ضغط البيع العام عليه.
في سياق متصل، تأثر الدولار الأسترالي سلباً ببيانات أظهرت تراجع التوظيف في نوفمبر بأكبر قدر منذ تسعة أشهر، مما يفتح الباب أمام احتمال قيام البنك الاحتياطي الأسترالي بالتيسير النقدي في وقت أقرب. كما تأثرت أصول المخاطر الأخرى، حيث انخفضت أسعار العملات المشفرة، ليتراجع “البيتكوين” لفترة وجيزة دون مستوى 90,000 دولار أمريكي، بينما انخفض “الإيثر” بأكثر من 4% ليصل إلى 3,200 دولار أمريكي. وفسرت جرايسي لين، الرئيس التنفيذي لمنصة OKX في سنغافورة، هذا التراجع بأن “السوق لا يزال يعمل على تفكيك الرافعة المالية المفرطة المتبقية من شهر أكتوبر”، مشيرة إلى أن التراجع كان أبطأ من المعتاد بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادية الكلية والجغرافية السياسية التي تخفف من حدة استجابة السوق لـ”توقعات الفيدرالي الأكثر ليونة”.
اقرأ أيضا…



