أسعار النفط تتراجع وسط محادثات السلام الأوكرانية

شهدت أسعار النفط تراجعاً طفيفاً يوم الثلاثاء، لتواصل خسائرها التي بلغت 2% في الجلسة السابقة. وتأتي هذه الحركة التصحيحية في ظل تركيز الأنظار العالمية على مزيج معقد من العوامل التي توازن بين المخاطر الجيوسياسية وضغوط العرض والطلب. وتتمثل هذه العوامل الرئيسية في محادثات السلام الجارية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، والمخاوف المتزايدة بشأن وفرة الإمدادات العالمية، بالإضافة إلى الترقب الشديد للقرار الوشيك للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة.
في تفاصيل التداول، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 7 سنتات، أي 0.1%، لتصل إلى 62.42 دولاراً للبرميل، بينما تراجعت عقود خام غرب تكساس الأمريكي (WTI) بمقدار 13 سنتاً، أي 0.2%، لتسجل 58.75 دولاراً للبرميل. هذا التذبذب الدقيق يعكس حالة من الحذر في السوق، مؤكداً أن أسعار النفط لا تزال تحت رحمة الديناميكيات الجيوسياسية والاقتصادية الكلية المتناقضة التي تمنع أي تحرك حاد ومستدام في الوقت الراهن.
تأثير محادثات السلام واستراتيجيات العقوبات الجديدة
يُعدّ الملف الأوكراني أحد أهم العوامل الضاغطة على أسعار النفط في الوقت الراهن، نظراً للدور المحوري لروسيا كمورد عالمي للطاقة. فقد جاء هذا التراجع الأخير عقب التفاؤل الحذر الذي ساد بعد إعلان أوكرانيا عن خطة سلام معدلة لمشاركتها مع الولايات المتحدة، إثر محادثات مكثفة في لندن جمعت رئيسها فولوديمير زيلينسكي بقادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا.
وفي هذا السياق، يشير كبير محللي السوق في KCM Trade، تيم ووترر، إلى أن السوق “تلتزم بنطاق تداول ضيق حتى تتضح وجهة محادثات السلام”. ويؤكد ووترر أن سرعة أو إمكانية استئناف تدفقات الإمدادات الروسية هي العامل الحاسم: “إذا انهارت المحادثات، نتوقع أن ترتفع أسعار النفط فوراً بسبب تجدد المخاطر. أما إذا تم إحراز تقدم كبير، وهناك احتمال لعودة الإمدادات الروسية تدريجياً إلى السوق العالمية، فمن المتوقع أن تنخفض الأسعار بسبب تخفيف القيود.”
وفي خطوة تهدف إلى تشديد الخناق المالي على موسكو، أفادت مصادر مطلعة أن دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي تجري محادثات لاستبدال آلية سقف أسعار صادرات النفط الروسي الحالية بحظر كامل للخدمات البحرية. هذا التغيير المقترح يُنظر إليه كإجراء أكثر صرامة، يهدف إلى تجفيف إيرادات روسيا النفطية بشكل أكبر عبر استهداف شركات الشحن والتأمين التي تسهل نقل النفط الروسي عالمياً، مما قد يعيد حالة عدم اليقين إلى أسواق الشحن ويحتمل أن يرفع العلاوة الجيوسياسية على أسعار النفط على المدى القصير، حتى لو كان الهدف هو تقليص العرض الروسي الفعال.
ضغوط الإمدادات وتوقعات الفائض من وكالة الطاقة الدولية
تفاقمت ضغوط جانب الإمدادات العالمية مؤخراً، مما ساهم في انخفاض أسعار النفط. وقد جاء هذا التفاقم بشكل خاص بعد أن استأنف العراق الإنتاج في حقل غرب القرنة 2 العملاق التابع لشركة لوك أويل الروسية. يُعد هذا الحقل أحد أكبر حقول النفط على مستوى العالم، ويحمل استئناف إنتاجه وزناً نفسياً كبيراً في السوق، حيث يشير إلى أن الجهود الرامية لضبط الإمدادات قد تواجه تحدياً من الارتفاع المفاجئ في الإنتاج غير المتوقع.
إضافة إلى ذلك، تترقب الأسواق بفارغ الصبر تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA) الشهري لشهر ديسمبر. من المرجح أن يؤكد هذا التقرير التوقعات السابقة التي حذرت من خطر التخمة والفائض. وتنبأت الوكالة في تقاريرها السابقة بحدوث فائض قياسي وكبير في سوق النفط بحلول عام 2026. وتستند هذه التوقعات إلى نمو متسارع في إنتاج الدول غير الأعضاء في تحالف “أوبك +”، وتحديداً من الولايات المتحدة، والبرازيل، وغيانا، وهو ما يتجاوز نمو الطلب المتوقع.
ويؤكد المحلل الأول في OANDA، كلفن وونج، أن هذا التقرير سيكون “المحرك التالي” للسوق. ويضيف أنه إذا استمرت وكالة الطاقة الدولية في رفع علم الخطر بشأن فائض العرض، فقد يتجه خام غرب تكساس الوسيط (WTI) للانخفاض بقوة لاختبار منطقة الدعم الفني الحاسمة عند مستوى 56.80 إلى 57.50 دولاراً للبرميل. وسيُشكل كسر هذا النطاق إشارة واضحة على اقتناع أعمق لدى المتداولين بالاتجاه الهبوطي، بسبب تغلب المخاوف الهيكلية طويلة الأجل المتعلقة بالإمدادات على تقلبات الطلب القصيرة الأجل.
القرار النقدي للاحتياطي الفيدرالي وتأثيره على الطلب العالمي
من العوامل الحاسمة التي تشغل بال المستثمرين قرار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed) المقرر صدوره يوم الأربعاء. ومع تسعير الأسواق لاحتمالية 87% لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، فإن هذا التوقع يلعب دوراً مهماً في دعم التوقعات الاقتصادية.
بطبيعة الحال، يُنظر إلى خفض أسعار الفائدة على أنه محفز إيجابي للطلب على النفط، حيث يؤدي انخفاض تكاليف الاقتراض إلى تحفيز الاستثمار في الأعمال التجارية، وتشجيع الإنفاق الاستهلاكي، ودعم نمو الناتج المحلي الإجمالي، مما يزيد بدوره من الطلب على الوقود الصناعي ووقود النقل. كما أن خفض الفائدة قد يضعف قيمة الدولار، مما يجعل النفط المسعّر به أقل تكلفة للمشترين الذين يتعاملون بعملات أخرى.
ومع ذلك، يحذر بعض المحللين من أن التأثير الفوري لخفض الفائدة قد يكون محدوداً. وتشير المحللة الأول في فيليب نوفا، بريانكا ساشديفا، إلى أنه رغم الدعم القصير الأجل الذي قد يوفره قرار الفيدرالي في النطاق الأدنى بين 60 و 65 دولاراً، فإن بنية الأسعار الأوسع “تظل مرتكزة على توقعات التخمة والفائض الهيكلي في السوق النفطية بحلول عام 2026.” بمعنى آخر، فإن المخاوف المتعلقة بتجاوز العرض للطلب على المدى الطويل تفوق حالياً أي دعم قصير الأجل قد يأتي من تيسير السياسة النقدية.
ختاما يظل مسار أسعار النفط محكوماً بتوازن دقيق وغير مستقر بين ثلاثة محاور رئيسية: التوترات الجيوسياسية (التي تترقب نتائج محادثات السلام وتأثير استراتيجيات العقوبات الجديدة)، وواقع الإمدادات (الذي تضغط عليه زيادة الإنتاج العراقي وتوقعات وكالة الطاقة الدولية بالفائض)، والسياسة النقدية العالمية (التي تحاول دعم الطلب عبر خفض الفائدة). يبقى الترقب سيد الموقف، حيث ستحسم التطورات المقبلة في أي من هذه العوامل اتجاه السوق على المديين القصير والمتوسط، مع ميل واضح للتحذير من ضغوط العرض المستمرة.
اقرأ أيضا…



