الدولار الأمريكي يتراجع وسط ترقب قرار “الفيدرالي” الصعب
شهد سعر الدولار الأمريكي تراجعاً طفيفاً يوم الاثنين، قبيل أسبوع حافل باجتماعات البنوك المركزية حول العالم، والذي يتصدره اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (Fed). وعلى الرغم من أن خفض سعر الفائدة بات شبه مؤكد، إلا أن المشهد يتسم بالانقسام الحاد بين أعضاء اللجنة، مما يضع المستثمرين في حالة ترقب قصوى لتحديد المسار المستقبلي للعملة الخضراء.
بالإضافة إلى قرار “الفيدرالي” يوم الأربعاء، تعقد البنوك المركزية في أستراليا، والبرازيل، وكندا، وسويسرا اجتماعات لتحديد أسعار الفائدة. ورغم الترقب، لا يُتوقع أن تُقدم أي منها على تغيير سياستها النقدية حالياً، مما يترك زمام المبادرة والتركيز الكلي على التطورات في واشنطن وتأثيرها المباشر على قيمة الدولار الأمريكي مقابل سلة العملات الرئيسية.
توقعات “خفض متشدد” وشيك للدولار الأمريكي
يتوقع المحللون أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي بما يُسمى “خفض متشدد” (Hawkish Cut)، وهي خطوة مزدوجة تتضمن خفض سعر الفائدة لتهدئة الضغوط الاقتصادية، لكن مع تضمين لغة متشددة في البيان الرسمي. هذه اللغة، إلى جانب التوقعات المتوسطة (Dot Plot) التي تكشف عن توقعات الأعضاء لأسعار الفائدة المستقبلية، وتصريحات رئيس البنك، جيروم باول، تشير إلى أن العوائق أمام أي تخفيضات مستقبلية ستكون مرتفعة، وهو توازن دقيق يسعى البنك من خلاله إلى إدارة التوقعات دون التسبب في تضخم مفرط أو ركود عميق.
من شأن هذه الرسالة المزدوجة أن تدعم الدولار الأمريكي إذا نجحت في دفع المستثمرين إلى تقليل توقعاتهم لخفضين أو ثلاثة أخرى في العام المقبل. ويُنظر إلى هذا التكتيك كطريقة للحفاظ على مرونة السياسة النقدية. ومع ذلك، قد تكون صياغة الرسالة معقدة بسبب الانقسامات الواضحة بين صانعي السياسة النقدية، حيث أشار العديد منهم بالفعل إلى نواياهم في التصويت، مما يزيد من الضبابية المحيطة بأي التزام مستقبلي بمسار نقدي واضح.
مخاطر الانشقاق في لجنة السوق المفتوحة ودلالاته
أشار بوب سافاج، رئيس استراتيجية الأسواق الكلية في بنك BNY، في مذكرة للعملاء، إلى توقعات بظهور “بعض الانشقاقات، قد تكون من الأعضاء المتشددين والمتساهلين على حد سواء”. ولم تشهد اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) ثلاثة انشقاقات أو أكثر في أي اجتماع منذ عام 2019، ولم يحدث ذلك سوى تسع مرات فقط منذ عام 1990، مما يؤكد حساسية القرار القادم.
إن ظهور انشقاق متشدد (عضو يعارض الخفض ويفضل الإبقاء على الفائدة مرتفعة) يشير إلى أن هناك قلقاً مستمراً بشأن التضخم، مما قد يعزز قيمة الدولار الأمريكي على المدى القصير. في المقابل، قد يشير انشقاق متساهل (عضو يطالب بخفض أكبر أو أسرع) إلى قلق عميق بشأن تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما يضغط على الدولار. سيراقب السوق بشدة لتحديد طبيعة هذه الانشقاقات لقراءة الإشارات حول اتجاه السياسة الأرجح خلال الربع القادم.
العوامل الدافعة لاستمرار قوة الدولار الأمريكي
على الرغم من الانجراف الهبوطي للعملة الأمريكية على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، استعاد الدولار الأمريكي جزءاً من ثقة المضاربين. تُظهر بيانات التمركزات الأسبوعية أن المضاربين يحتفظون بأكبر مركز شرائي (Long Position) – أي يراهنون على ارتفاع قيمة الدولار – منذ ما قبل تصريح الرئيس السابق دونالد ترامب الشهير حول التعريفات الجمركية، مما يعكس تفاؤلاً حذراً بشأن صلابة الاقتصاد الأمريكي.
تستند هذه التوقعات إلى عدة عوامل اقتصادية متضاربة تخلق معضلة أمام الفيدرالي:
- مرونة النمو مقابل سوق العمل: على الرغم من أن سوق العمل يشهد تلييناً ملحوظاً في معدلات خلق الوظائف، إلا أن النمو الإجمالي للناتج المحلي الإجمالي لا يزال صامداً، مدعوماً بإنفاق المستهلكين.
- التحفيز المالي والتضخم: من المتوقع أن يبدأ تأثير حزمة التحفيز الاقتصادية التي أقرها ترامب في الظهور، مما قد يضيف ضغطاً تضخمياً جديداً. وفي الوقت نفسه، لا يزال التضخم الأساسي أعلى بكثير من المعدل المستهدف للبنك المركزي البالغ 2%.
وفي هذا الصدد، قال لي هاردمان، استراتيجي العملات في MUFG: “قد تثني هذه العوامل عن إجراء تخفيضات إضافية في أسعار الفائدة إذا امتد تأثيرها إلى ظروف أقوى في سوق العمل، مما يعزز موقفنا تجاه الاحتفاظ بأصول مقومة بالدولار الأمريكي“.
تحركات العملات الأخرى: اليورو يتألق والتركيز على البنوك الموازية
بعيداً عن السياسة النقدية الأمريكية، ارتفع سعر صرف اليورو بنسبة 0.1% ليصل إلى 1.1651 دولار أمريكي، مدعوماً بارتفاع عوائد السندات في منطقة اليورو. فقد سجلت عوائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ عام 2011 في التعاملات المبكرة، مما يعكس تحولاً في التوقعات تجاه مسار أسعار الفائدة الأوروبية.
على عكس “الفيدرالي” الذي يميل نحو الخفض، لا يُتوقع أن يخفض البنك المركزي الأوروبي (ECB) أسعار الفائدة مرة أخرى في العام المقبل. بل صرّحت صانعة السياسة المؤثرة إيزابيل شنابل يوم الاثنين بأن الخطوة التالية للبنك قد تكون حتى رفعاً لسعر الفائدة، وهو ما يشير إلى أن التضخم الأساسي في منطقة اليورو لا يزال مصدر قلق رئيسي، مما يخلق تباعداً نقدياً يدعم اليورو مقابل الدولار الأمريكي.
في الوقت نفسه، لامس الدولار الأسترالي لفترة وجيزة مستوى 0.6649 دولار أمريكي، وهو الأعلى منذ منتصف سبتمبر، قبل أن يستقر عند 0.6637 دولار، وذلك قبيل اجتماع بنك الاحتياطي الأسترالي (RBA) يوم الثلاثاء. وتوحي بيانات التضخم والنمو القوية بأن الخطوة القادمة للبنك قد تكون رفعاً للفائدة، مما يُبقي التركيز منصباً على البيان اللاحق للاجتماع وتوقعاته للمستقبل.
اقرأ أيضا…



