تراجع الدولار الأمريكي ترقبا لاجتماع الفيدرالي الوشيك وخفض أسعار الفائدة

شهد الدولار الأمريكي انخفاضاً طفيفاً يوم الجمعة، إلا أنه ظل مستقراً نسبياً ضمن نطاقاته الأخيرة مقابل العملات الرئيسية، حيث يترقب المتداولون باهتمام بالغ اجتماع الاحتياطي الفيدرالي (Fed) المقرر الأسبوع المقبل. وتُشير التوقعات إلى أن صانعي السياسة النقدية يميلون بشكل متزايد نحو خفض أسعار الفائدة، وهو ما يضع ضغطاً مباشراً على العملة الخضراء.
ويقيس مؤشر الدولار الأمريكي قوته مقابل سلة من ست عملات شركاء تجاريين رئيسيين (اليورو، الين، الجنيه الإسترليني، الكرون السويدي، الفرنك السويسري، والدولار الكندي)، مما يجعله مقياساً حيوياً للصحة الاقتصادية الأمريكية وموقفها النقدي. وقد انخفض المؤشر بنسبة 0.2% ليستقر عند 98.906، وهو مستوى لا يبتعد كثيراً عن أدنى مستوى له منذ خمسة أسابيع الذي سجله يوم الخميس عند 98.765.
توقعات السوق: تسعير شبه مؤكد لخفض الفائدة وتباطوء سوق العمل
يُسعّر المتداولون حالياً احتمالاً يناهز 90% لخفض سعر الفائدة الرئيسي من قبل الفيدرالي الأسبوع المقبل، مع احتمالية تخفيضين إضافيين خلال العام المقبل، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG). وتؤكد هذه التوقعات التوجه “التيسيري” الذي يغلب على نظرة السوق.
تنبع التوقعات القوية بقطع الفائدة جزئياً من دلائل تباطوء سوق العمل، حيث إن مؤشرات “بيانات السوق الناعمة”، مثل بعض الزيادات الطفيفة في مطالبات البطالة الأولية، تُشير إلى أن التضخم قد يتراجع دون الحاجة لأسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول. هذه المؤشرات تخفف من الحاجة إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة.
وفي هذا السياق، أوضح أنطونيو روجيرو، خبير استراتيجيات العملات والماكرو في مؤسسة “كونفيرا”، أن التراجعات الطفيفة في الدولار الأمريكي مُبرَّرة تماماً. وأشار روجيرو إلى أن العملة “لا تزال تبدو مُقيّمة بأعلى من قيمتها الحقيقية مقارنة بأقرانها الرئيسيين”، مشيراً إلى أن صدور بعض البيانات التي تدل على ضعف سوق العمل مؤخراً ساهمت في بلورة توقعات السوق المفرطة لخفض الفائدة.
البيانات الاقتصادية والتضخم: مؤشر PCE يفتح الباب للتيسير
على الرغم من الانخفاض في قيمة الدولار الأمريكي، فإن بيانات يوم الجمعة التي أظهرت تحسناً في معنويات المستهلكين الأمريكيين في أوائل شهر ديسمبر لم تُقدم دعماً كبيراً للعملة. هذا التحسن في المعنويات يعكس تفاؤل المستهلكين بظروفهم المالية المستقبلية، والذي يمكن أن يترجم إلى زيادة في الإنفاق ويخفف من حدة المخاوف بشأن الركود.
وفي سياق منفصل، أصدر مكتب التحليل الاقتصادي (BEA) تقرير مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، والذي يعد المقياس المفضل للفيدرالي لتقييم التضخم، حيث يغطي نطاقاً أوسع من الإنفاق الاستهلاكي ويتضمن “تأثير الاستبدال” (حيث يشتري المستهلكون بدائل أرخص). ارتفع المؤشر بنسبة 0.3% في سبتمبر بعد مكسب مماثل في أغسطس. وعند استثناء مكونات الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع مؤشر PCE الأساسي بنسبة 0.2%، مما يدل على أن الضغوط التضخمية لا تزال معتدلة نسبياً وتتجه نحو هدف الفيدرالي البالغ 2%، وهو ما يدعم حجج “حمائم” الفيدرالي المطالبين بالتحفيز النقدي.
تداعيات التغيير القيادي المحتمل على الدولار
يزن المستثمرون أيضاً احتمال تولي المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، منصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بعد انتهاء ولاية جيروم باول في مايو. يُنظر إلى هاسيت على أنه شخصية “مُيسّرة” أو “حمائمية”، مما يعني أنه سيدفع نحو مزيد من تخفيضات أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي، وهو ما قد يُضعف مكانة الدولار الأمريكي على المدى الطويل.
وعلق كريس تيرنر، الرئيس العالمي للأسواق في بنك آي.إن.جي (ING)، بأن الدولار الأمريكي “يظل معروضاً للبيع بشكل طفيف بناءً على وجهة النظر القائلة بأن الفيدرالي سيخفض أسعار الفائدة الأسبوع المقبل، وبأن وصول كيفن هاسيت إلى رئاسة الفيدرالي سيجعل البنك أكثر تيسيراً”.
أسواق العملات الأخرى: هدوء الين وتأثير تجارة الفروقات
شهد الين الياباني، الذي كان مدعوماً في الجلسات الأخيرة بتوقعات رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة في ديسمبر، فترة هدوء يوم الجمعة، حيث تم تداوله بلا تغيير يذكر عند 155.15 مقابل الدولار الأمريكي. تكمن أهمية الين في كونه “عملة التمويل” المفضلة في “تجارة الفروقات” (Carry Trade) العالمية، حيث يستخدم المستثمرون الين (اقتراضه بفائدة منخفضة) لشراء أصول ذات عائد أعلى. وعندما يرتفع سعر الفائدة الياباني، يصبح الاقتراض بالين أكثر تكلفة، مما يدفع المستثمرين إلى تصفية هذه المراكز وإعادة الين، مما يؤدي إلى ارتفاع قيمته بشكل حاد مقابل الدولار.
وفي غضون ذلك، ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2% ليصل إلى 1.335 دولار، مقترباً من أعلى مستوى له في ستة أسابيع، مدعوماً بآمال بأن بنك إنجلترا قد يضطر إلى الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول لكبح التضخم.
الآفاق المستقبلية: من المقرر أن يشهد الأسبوع القادم سلسلة من قرارات البنوك المركزية الكبرى، تبدأ ببنك الاحتياطي الأسترالي يوم الثلاثاء، يليه بنك كندا يوم الأربعاء، والبنك الوطني السويسري يوم الخميس، بالإضافة إلى البيان المرتقب من الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء. التزامن في هذه القرارات يعني أن أي قرار مفاجئ من أي بنك قد يُحدث تقلبات كبيرة في أسعار الصرف العالمية، مما يؤثر على حركة الأموال ورغبة المستثمرين في المخاطرة، وبالتالي يؤثر بشكل غير مباشر على جاذبية الدولار الأمريكي كأصل آمن. وسيستمر هذا الزخم في الأسبوع الذي يليه بقرارات من بنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا.
اقرأ أيضا…



