أخبار الأسواقأخبار الذهبسلع

أسعار الذهب تتراجع.. ما سر الضغط الثنائي من الدولار و”الفيدرالي”؟

شهدت أسعار الذهب العالمية تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفض المعدن الأصفر بأكثر من 1% يوم الخميس، متأثراً بشكل رئيسي بقوة الدولار الأمريكي وتضاؤل التوقعات بخفض وشيك لأسعار الفائدة من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأمريكي) في ديسمبر.

وقد دفع هذا التراجع سعر الأونصة إلى أدنى مستوياته في أكثر من ثلاثة أسابيع، في إشارة واضحة إلى حساسية السوق تجاه التحولات في السياسة النقدية الأمريكية. يأتي هذا الضغط في وقت يواصل فيه الذهب محاولاته للاستقرار فوق مستوى الدعم النفسي الهام عند 4,000 دولار. يترقب المستثمرون حالياً بيانات الوظائف الأمريكية المؤجلة للحصول على مؤشرات واضحة حول الخطوات التالية للسياسة النقدية.

الدولار الأمريكي يفرض هيمنته على أسعار الذهب

يتم تداول مؤشر الدولار (DXY) قرب أعلى مستوى له في أسبوعين، مما يجعل حيازة الذهب، المُسعَّر بالدولار، أكثر تكلفة بالنسبة لحاملي العملات الأخرى. هذا الارتباط العكسي التقليدي كان له الدور الأكبر في الضغط على المعدن النفيس. إن ارتفاع مؤشر الدولار لا يعكس فقط جاذبية العملة الأمريكية كملاذ آمن في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية، بل يترجم مباشرة إلى عبء إضافي على المستثمرين خارج الولايات المتحدة. فكلما ارتفعت قيمة الدولار، احتاج المستثمر الذي يستخدم اليورو أو الين إلى وحدات نقدية أكثر لشراء نفس الكمية من الذهب، مما يقلل الطلب الفعال ويضغط على السعر العالمي.

وبلغ سعر الذهب الفوري (GOLD) 4,066.32 دولار للأونصة، بتراجع قدره 0.4% حتى وقت كتابة هذا التحليل. وفي السياق ذاته، يرى المحلل المستقل روس نورمان أن “قوة الدولار تضغط على الذهب، لكن التذبذب السعري الحالي هو أمر معتاد في هذا الوقت من العام، حيث تتصادم عمليات جني الأرباح والتسوية الدفترية مع الاستثمارات المبكرة استعداداً للعام الجديد.”

تقرير الوظائف يحدد المسار الفائدة

تراجعت التوقعات بشأن خفض الفائدة الشهر المقبل بعد أن أظهر محضر اجتماع الفيدرالي في أكتوبر قيام صانعي السياسات بخفض سعر الفائدة، لكنهم حذروا من أن هذه الخطوة قد تزيد من خطر ترسيخ التضخم وفقدان الثقة العامة في البنك المركزي. والأهم من ذلك، أن التضييق النقدي الذي يلوح في الأفق يزيد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، كونه أصلاً لا يدر عائداً مقارنة بالسندات الحكومية الأمريكية ذات العائد المرتفع. لقد كشفت محاضر اجتماع الفيدرالي عن نبرة ‘متشددة’ (hawkish) بين الأعضاء، إذ أعربوا عن قلقهم المستمر من ثبات التضخم عند مستويات أعلى من المستهدفة، مما يبرر الإبقاء على أسعار الفائدة الحالية لفترة أطول.

ويصب تركيز المتداولين الآن على تقرير الوظائف لشهر سبتمبر، والذي تأجل صدوره بسبب الإغلاق الحكومي، حيث يُنظر إليه كبوصلة لتحديد خطوة الفيدرالي القادمة. وتشير تقديرات مسح أجرته “رويترز” إلى أن التوظيف غير الزراعي من المرجح أن يكون قد زاد بواقع 50 ألف وظيفة، وهو أكثر من ضعف مكاسب أغسطس البالغة 22 ألفاً. وبذلك، فإن تقرير الوظائف المرتقب لا يقيس فقط صحة سوق العمل، بل هو مؤشر رئيسي لضغوط الأجور والتضخم، مما يجعله العامل الحاسم الذي سيعتمد عليه الفيدرالي في تقييمه لبيانات التوظيف قبل اجتماع السياسة النقدية الأخير لهذا العام.

هذا التوقيت الحرج يزيد من حالة عدم اليقين، إذ سيفتقر الفيدرالي إلى جزء كبير من البيانات اللازمة لاتخاذ قراره في اجتماع 10 ديسمبر، حيث تأجل تقرير الوظائف التالي حتى 16 ديسمبر. ونتيجة لذلك، تراجعت احتمالية خفض سعر الفائدة الشهر المقبل إلى 34%، بعد أن كانت 49% يوم الأربعاء، وفقاً لأداة “فيدواتش” التابعة لمجموعة CME.

توقعات صاعدة رغم الضغوط قصيرة الأجل

على الرغم من الانخفاضات الحالية، يظل الذهب ملاذاً آمناً مطلوباً في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة وأوقات عدم اليقين الاقتصادي أو الجيوسياسي. وفي هذا الصدد، رفع بنك “يو بي إس” (UBS) سعره المستهدف للذهب في منتصف عام 2026 بمقدار 300 دولار ليصل إلى 4,500 دولار للأونصة.

وتستند هذه التوقعات المتفائلة إلى عوامل هيكلية قوية، تشمل توقعات بخفض أسعار الفائدة مستقبلاً من الفيدرالي، والمخاطر الجيوسياسية المستمرة، واستمرار الطلب القوي من البنوك المركزية وصناديق الاستثمار المتداولة (ETFs). وفي تفصيل للعوامل الهيكلية، يعد التكديس المستمر للذهب من قبل البنوك المركزية العالمية، وخاصة في الأسواق الناشئة، دافعاً أساسياً لارتفاع الأسعار على المدى المتوسط، حيث تسعى هذه البنوك إلى تنويع احتياطاتها بعيداً عن هيمنة الدولار. كما أن دور الذهب كأداة تحوط مثالية ضد التضخم المتزايد والشكوك بشأن الاستقرار المالي العالمي يضمن استمرارية جاذبيته بين المستثمرين على المدى الطويل، متجاوزاً بذلك الضوضاء قصيرة الأجل الناتجة عن تذبذبات العملات وأسعار الفائدة.

اقرأ أيضا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى