أسعار الذهب تتماسك وسط غموض الإغلاق الحكومي وتراجع الدولار

ارتفعت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الخميس، مستفيدة من عاملين رئيسيين: تراجع الدولار الأمريكي عن أعلى مستوى له في أربعة أشهر، واستمرار حالة عدم اليقين في أوساط المستثمرين بشأن آفاق الاقتصاد الأمريكي على خلفية استمرار إغلاق الحكومة. يمثل هذا الارتفاع الطفيف في الذهب رد فعل مباشر لضعف العملة الأمريكية التي تُسعّر بها السلعة، لكنه أيضاً إشارة إلى ميل المستثمرين للتحوط ضد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية الناتجة عن شلل اتخاذ القرار في واشنطن.
صعد سعر الذهب الفوري بنسبة 0.4% ليصل إلى 3,996.19 دولار للأوقية. ورغم هذا الارتفاع الطفيف، يظل المعدن الأصفر منخفضاً بنحو 9% منذ أن سجل رقماً قياسياً بلغ 4,381.21 دولار في 20 أكتوبر، مما يؤكد أن السوق لا يزال في مرحلة تصحيح بعد القفزة التاريخية. كما أضافت العقود الآجلة للذهب لشهر ديسمبر 0.3%، لتصل إلى 4,005.60 دولار للأوقية.
تراجع الدولار يدعم صعود أسعار الذهب
كان لتراجع الدولار الأمريكي تأثير مباشر في دعم أسعار الذهب. حيث انخفض مؤشر الدولار بنسبة 0.2% بعد أن لامس أعلى مستوى له في أربعة أشهر خلال الجلسة السابقة. ويؤدي انخفاض الدولار إلى جعل الذهب، المقوم بالعملة الخضراء، أقل تكلفة لحاملي العملات الأخرى، مما يزيد من جاذبيته الاستثمارية ويدعم الطلب عالمياً.
وفي هذا الصدد، أشار تيم ووترر، كبير محللي السوق في KCM Trade، إلى أن “تراجع الدولار قليلاً قد سهل مهمة الذهب من حيث اكتساب زخم صعودي”. وعندما يتراجع الدولار، يصبح المستثمرون الذين يحملون اليورو أو الين أو غيرهما قادرين على شراء المزيد من الأوقية بالعملة المحلية، مما يزيد الطلب بشكل فعلي ويقلل من الضغط السلبي على أسعار الذهب، مانعاً إياه من المزيد من الانزلاق.
إغلاق الحكومة الأمريكية يزيد من حالة الغموض الاقتصادي
شهدت السوق تناقضاً مثيراً للاهتمام في التحركات الأخيرة، حيث تفوق تأثير الغموض السياسي على الإشارات الاقتصادية الإيجابية. فبالرغم من تقرير ADP الذي أظهر إضافة أصحاب العمل في القطاع الخاص بالولايات المتحدة 42 ألف وظيفة في أكتوبر، متجاوزين التوقعات البالغة 28 ألف وظيفة، إلا أن الذهب واصل ارتفاعه. وعادةً ما تؤدي بيانات سوق العمل القوية إلى تراجع الآمال في خفض أسعار الفائدة، وهو ما يضر بالذهب الذي لا يدر عائداً.
إلا أن ووترر أوضح أن “الذهب سار عكس التيار (أمس) بارتفاعه بالرغم من البيانات الكلية الأمريكية القوية، لأن المتداولين لم يغفلوا حقيقة أن إغلاق الحكومة الحالي هو الأطول على الإطلاق”. هذا المأزق المستمر في الكونغرس يمثل حالة شلل لم تصب الهيئات التشريعية والتنفيذية فحسب، بل أدت أيضاً إلى تعتيم البيانات الاقتصادية الرسمية التي يعتمد عليها صناع القرار في الاحتياطي الفيدرالي. هذا الغياب للبيانات الحكومية الموثوقة، مثل تقارير التضخم والناتج المحلي الإجمالي، يضخم من أهمية المؤشرات الخاصة (مثل تقرير ADP) ولكنه في الوقت نفسه يخلق بيئة من عدم الثقة الضرورية لتوجيه السياسة النقدية، مما يدفع المستثمرين للبحث عن الأصول الآمنة مثل الذهب.
مستقبل أسعار الذهب وتكلفة الفرصة البديلة في ظل سياسة الفائدة
يستفيد الذهب، كونه أصلاً لا يدر عائداً، من بيئات أسعار الفائدة المنخفضة. فالعلاقة الأساسية تكمن في أن الذهب لا يقدم عائداً دورياً، لذا فإن انخفاض أسعار الفائدة يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازته مقارنة بالودائع أو السندات الحكومية. وبعد أن خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، أشار رئيسه جيروم باول إلى أن هذا قد يكون التخفيض الأخير لعام 2025، مما يعكس نظرة حذرة من الاحتياطي الفيدرالي تجاه تباطؤ النمو.
وبينما كانت التوقعات الأسبوع الماضي تشير إلى فرصة تزيد عن 90% لخفض آخر للفائدة في ديسمبر، تراجعت هذه النسبة الآن لتصل إلى 63% (حسب مؤشر FEDWATCH). هذا التراجع في التوقعات يشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يراهنون على احتمال التخفيض، ولكن بثقة أقل، وهو ما يوفر دعماً كامناً لـ أسعار الذهب، على الرغم من أن أي ارتفاع في العوائد الحقيقية سيشكل ضغطاً فورياً عليه. وفي سياق آخر، يجب الانتباه إلى قرار المحكمة العليا الأمريكية بالتشكيك في شرعية الرسوم الجمركية للرئيس دونالد ترامب؛ لأن أي تحول في سياسات التجارة العالمية يزيد من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي ويعزز جاذبية الذهب كملاذ آمن.
تحركات المعادن الثمينة الأخرى
على صعيد المعادن الأخرى، سجلت مكاسب أيضاً، حيث ارتفعت أسعار الفضة الفورية بنسبة 0.7% لتصل إلى 48.40 دولار للأوقية، وزاد البلاتين بنسبة 0.5% إلى 1,569.34 دولار، بينما صعد البلاديوم بنسبة 1.2% ليصل إلى 1,436.65 دولار، ما يشير إلى اتجاه عام نحو الأصول الصلبة في ظل الغموض الحالي.
اقرأ أيضا…




