أسعار الذهب: بين دعم تراجع الدولار وضغوط الفيدرالي والتهدئة التجارية

شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً طفيفاً مع بداية الأسبوع، مدعومة بتراجع مؤشر الدولار الأمريكي عن أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر. ومع ذلك، تبقى المكاسب محدودة بفعل عاملين رئيسيين يقلصان من جاذبية المعدن الأصفر كأصل ملاذ آمن: وهما التوقعات المتراجعة لخفض أسعار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي، وتفاؤل السوق بشأن تراجع حدة التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.
فقد ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.3% ليصل إلى 4,014.59 دولار للأوقية (06:27 بتوقيت جرينتش)، بينما سجلت العقود الآجلة للذهب لشهر ديسمبر ارتفاعاً بنسبة 0.7% لتصل إلى 4,025.10 دولار للأوقية.
محركات أسعار الذهب: قوة الدولار وتأثير الفيدرالي
يُعدّ تذبذب الدولار عاملاً حاسماً في تحديد أسعار الذهب، إذ إن تراجع مؤشر العملة الأمريكية بنسبة 0.1% جعل الذهب المُسعّر بالدولار أقل تكلفة لحاملي العملات الأخرى، مما يحفز الطلب من قبل المستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى.
وفي هذا الصدد، أشار كيلفن وونغ، كبير محللي السوق في OANDA، إلى أن “الارتفاع الطفيف في الذهب اليوم يعود بشكل رئيسي إلى إعادة التموضع في جانب الدولار الأمريكي، نظراً لاستقرار قوته خلال الجلسة الآسيوية اليوم”.
في المقابل، شكلت السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي ضغطاً كبيراً على الذهب. فالذهب، بصفته أصلاً لا يدر عائداً، يزدهر في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة؛ حيث ينخفض ما يُعرف باسم “تكلفة الفرصة البديلة” لحيازة المعدن الأصفر عندما تكون بدائل الاستثمار ذات العائد (مثل السندات) أقل جاذبية. وبعد أن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 29 أكتوبر للمرة الثانية هذا العام، ألقت تعليقات رئيسه جيروم باول المتشددة بظلال من الشك على احتمالية المزيد من التخفيضات في عام 2025. وقد أدت هذه التصريحات إلى تراجع كبير في احتمالية خفض سعر الفائدة في ديسمبر من أكثر من 90% إلى 71% فقط، وفقاً لأداة FedWatch الخاصة ببورصة CME.
ولذلك، يترقب المستثمرون الآن صدور بيانات اقتصادية أمريكية مهمة هذا الأسبوع، بما في ذلك بيانات التوظيف من ADP ومؤشرات مديري المشتريات (ISM PMIs)، حيث تُعدّ هذه المؤشرات مؤشرات رئيسية لقوة سوق العمل والنشاط الاقتصادي والتضخم، والتي بدورها ستوجه قرارات الفيدرالي المستقبلية وقد تعدل موقفه المتشدد الحالي.
تراجع جاذبية الملاذ الآمن بفعل التهدئة التجارية
العامل الثاني الذي يحد من الارتفاع الكبير في أسعار الذهب هو تراجع الطلب على الملاذات الآمنة مع انحسار التوترات الجيوسياسية والتجارية. عندما تهدأ المخاطر العالمية، يميل المستثمرون إلى التحول إلى ما يسمى بـ “بيئة المخاطرة الإيجابية” (Risk-On Play)، حيث يتم سحب رؤوس الأموال من الأصول الدفاعية مثل الذهب وتوجيهها نحو أصول النمو مثل الأسهم.
ويوضح وونغ أن “لعب دور الملاذ الآمن قد تراجع في الوقت الحالي، بسبب انحسار التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وقد يمثل ذلك تحولاً نحو أصول أكثر مخاطرة في أسواق الأسهم… مما يقلل من الزخم الصاعد الرئيسي للذهب”.
وكان هذا التفاؤل مدفوعاً باتفاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسبوع الماضي على تخفيض التعريفات الجمركية على الصين مقابل تنازلات من بكين، شملت مكافحة تجارة الفنتانيل غير المشروعة، وزيادة مشتريات فول الصويا الأمريكي، والقيود على صادرات المعادن النادرة. هذه الخطوات لا تقلل فقط من الاحتكاك التجاري المباشر، بل ترسل إشارة قوية للأسواق حول استقرار سلاسل الإمداد العالمية واحتمالية تحقيق نمو اقتصادي عالمي أفضل، مما يقلل الحاجة إلى أصول التحوط.
الصين تخفض الإعفاء الضريبي: صدمة محتملة لطلب التجزئة
على صعيد الطلب المادي، اتخذت الصين، أكبر مستهلك للذهب في العالم، خطوة قد تحد من شهية الشراء، خاصة في قطاع التجزئة. حيث أنهت بكين الإعفاء الضريبي الكامل على ضريبة القيمة المضافة (13%) الذي كان يُمنح لبعض تجار التجزئة الذين يشترون الذهب من بورصة شنغهاي للذهب أو بورصة شنغهاي للآجال.
وطبقاً للسياسات الجديدة الصادرة عن وزارة المالية، تم خفض هذا الإعفاء إلى 6% اعتباراً من 1 نوفمبر وحتى 31 ديسمبر 2027. ويعني هذا عملياً أن تكلفة شراء الذهب للبيع بالتجزئة سترتفع بنسبة 7% تقريباً، وهو ما سيتم تمريره حتماً إلى المستهلك النهائي. وتتوقع جوني تيفيز، محللة الاستراتيجيات في UBS، أن ترتفع تكاليف الذهب حيث من المرجح أن يتم تمرير الضريبة الإضافية إلى المستهلكين، مما يهدد تباطؤ وتيرة الشراء الجنوني التي شهدتها الصين.
وقد انعكس هذا القلق فورياً على أسواق الأسهم، حيث انخفضت أسهم تجار التجزئة للمجوهرات الذهبية مثل Laopu Gold و Chow Tai Fook بأكثر من 9% و 12% على التوالي يوم الاثنين، في حين تراجعت أسهم شركات تعدين الذهب الكبرى. ويأتي هذا النظام الضريبي الجديد في خضم موجة عالمية محمومة لشراء الذهب، خاصة في الصين، حيث يعتبر الذهب تقليدياً وسيلة ادخار رئيسية. ساعد هذا الطلب القوي في دفع أسعار الذهب للوصول إلى مستوى قياسي بلغ 4,381 دولاراً للأوقية في 20 أكتوبر، رغم تراجعه بأكثر من 8% منذ ذلك الحين.
توقعات المحللين: هل يصل الذهب إلى 4500 دولار؟
على الرغم من التراجعات الأخيرة، لا تزال التوقعات طويلة الأجل إيجابية بشكل لافت. فقد توقع بنك مورجان ستانلي وصول أسعار الذهب إلى 4,500 دولار للأوقية بحلول منتصف عام 2026. ويعزو البنك هذا التفاؤل إلى استمرار الطلب المادي القوي من صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) والبنوك المركزية، خاصة في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي المستمرة.
ومن المتوقع استمرار مشتريات الصناديق المدعومة بالذهب بالتوازي مع انخفاض أسعار الفائدة المتوقع على المدى المتوسط، إلى جانب استقرار في طلب المجوهرات. لكن البنك حذر من مخاطر سلبية محتملة تشمل التقلبات السعرية التي قد تدفع المستثمرين للتحول إلى فئات أصول أخرى، أو قرارات البنوك المركزية بخفض احتياطياتها. ومن الملاحظ أن التوقعات تتراوح بين 4,400 دولار (مورجان ستانلي) ووصولها إلى 5,055 دولاراً للأوقية (جيه بي مورجان)، ما يشير إلى أن إجماع المؤسسات الكبرى يرى أن محركات الصعود الأساسية، مثل مشتريات البنوك المركزية الكثيفة والمخاوف الجيوسياسية، ستوفر أرضية سعرية صلبة للذهب على المدى الطويل، متجاوزة التقلبات قصيرة الأجل.
ملخص توقعات المحللين لأسعار الذهب (بالدولار للأوقية):
| المؤسسة / الوكالة | توقعات 2025 | توقعات 2026 | الهدف السعري المحدد |
| مورجان ستانلي | 3,398 | 4,400 | 4,500 بحلول منتصف 2026 |
| جيه بي مورجان | 3,468 | 4,753 | متوسط 5,055 بحلول الربع الرابع 2026 |
| بنك أوف أمريكا | 3,352 | 4,438 | تم رفع توقعات 2026 إلى 5,000 |
| سوسيتيه جنرال | 3,455 | 4,716 | 5,000 بحلول نهاية 2026 |
| إتش إس بي سي | 3,455 | 4,600 | 4,600 للأوقية بحلول نهاية 2025 |
ختاما تظل أسعار الذهب في مرمى تقاطع القوى الاقتصادية الكبرى: تراجع طفيف في الدولار يوفر دفعة فورية، لكن تشديد الاحتياطي الفيدرالي وتخفيف حدة المخاطر الجيوسياسية يحدان من أي صعود كبير. بينما يشير التغيير الضريبي في الصين إلى أن الطلب من أكبر سوق للمستهلكين قد يشهد تباطؤاً. ومع ذلك، فإن النظرة المستقبلية لمعظم المؤسسات المالية الكبرى ترجح استمرار الارتفاع الطويل الأجل، مدفوعة بطلب البنوك المركزية المستمر وتوقعات تراجع أسعار الفائدة العالمية في السنوات القادمة، مما يعزز مكانة الذهب كأصل تحوط ضروري.
اقرأ أيضا…



