أسعار الذهب تحقق أرقاماً قياسية جديدة بدعم من الملاذات الآمنة وتوقعات خفض الفائدة الأمريكية

واصلت أسعار الذهب ارتفاعها الصاروخي، مسجلة مستوى قياسياً جديداً يوم الخميس، مع تزايد إقبال المستثمرين على المعدن الثمين باعتباره ملاذاً آمناً في ظل تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين واستمرار الإغلاق الحكومي الأمريكي، بالإضافة إلى الرهانات القوية على خفض وشيك في أسعار الفائدة الأمريكية. هذا الاندفاع نحو الذهب لا يمثل مجرد مكاسب رقمية عابرة، بل يعكس تحولاً واسعاً في استراتيجيات توزيع الأصول على المستوى العالمي، حيث يسعى كبار المستثمرين والمؤسسات لتأمين محافظهم ضد التدهور الاقتصادي والتضخم المتوقع.
الذهب يعانق القمة: قراءة في الأرقام والتداولات
شهد سعر الذهب الفوري ارتفاعاً بنسبة 0.6% ليصل إلى 4,233.39 دولاراً للأونصة. وخلال الجلسة، لامس المعدن الثمين أعلى مستوى له على الإطلاق عند 4,241.77 دولار، مواصلا بذلك مكاسبه للجلسة الخامسة على التوالي. كما ارتفعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة لتسليم ديسمبر بنسبة 1.1% إلى 4,247.10 دولار.
وتؤكد هذه الأرقام على الدور التقليدي للذهب كمخزن للقيمة خلال فترات عدم الاستقرار، حيث حقق المعدن ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 61% منذ بداية العام الجاري. ويعكس هذا الأداء المتفوق تفضيل المستثمرين للذهب على الأصول التقليدية الأخرى كالسندات والأسهم في ظل بيئة المخاطر الحالية.
العوامل الدافعة لارتفاع أسعار الذهب مزيج من عدم اليقين
يُعزى هذا الارتفاع القياسي في أسعار الذهب إلى مزيج معقد من العوامل الاقتصادية والسياسية التي تعمل كقوة دافعة جماعية:
- الملاذ الآمن والتوترات الجيوسياسية: تركز اهتمام المستثمرين هذا الأسبوع على الخلاف التجاري المتصاعد بين أكبر اقتصادين في العالم. حيث انتقد مسؤولون أمريكيون توسع الصين في ضوابط تصدير المعادن الأرضية النادرة، واصفين إياه بأنه تهديد مباشر لسلاسل الإمداد العالمية الحرجة. إن هذه المعادن ضرورية لصناعات التكنولوجيا الفائقة والدفاع والطاقة النظيفة، وأي قيود عليها تخلق حالة من عدم اليقين لا يمكن التنبؤ بها في الأسواق العالمية. وقد علق نيتيش شاه، خبير استراتيجيات السلع في “WisdomTree”، بالقول إن “الاحتكاكات التجارية المتجددة تزيد من حالة عدم اليقين عبر سلاسل الإمداد العالمية… مما يدفع المستثمرين بشكل متزايد نحو الذهب”. وأضاف شاه أن هذا الاختراق في سعر الذهب يعكس أيضاً قلق المستثمرين المتزايد إزاء مصداقية السياسة الأمريكية وقدرتها على تحقيق الاستقرار المالي في بيئة عالمية مضطربة.
- توقعات خفض أسعار الفائدة: تلعب التوقعات بخفض معدلات الفائدة دوراً حاسماً في دعم الذهب. في البيئة المعتادة، تمثل السندات وأدوات الدين عائداً للمستثمر، بينما لا يدر الذهب عائداً دورياً (non-yielding asset). وعندما تنخفض أسعار الفائدة أو يتوقع لها الانخفاض، يقلل ذلك من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب غير المنتج للعائد، مما يجعله أكثر جاذبية مقارنة بالودائع والسندات. يتوقع المتداولون حالياً خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس في شهر أكتوبر، يليه خفض آخر في ديسمبر، وذلك باحتمالات شبه مؤكدة تصل إلى 98% و 95% على التوالي. هذا اليقين المرتفع في الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي سيتجه نحو التيسير النقدي هو محفز قوي لارتفاع أسعار الذهب.
- القلق بشأن الاقتصاد الأمريكي: يضاف إلى ذلك حالة عدم الارتياح بشأن مصداقية السياسة الأمريكية، خاصة مع استمرار الإغلاق الحكومي الفيدرالي. أشار مسؤول بوزارة الخزانة إلى أن هذا الإغلاق الذي دام أسبوعين قد يكلف الاقتصاد الأمريكي ما يصل إلى 15 مليار دولار أسبوعياً من الإنتاج المفقود. هذه التكاليف لا تقتصر على الأجور المفقودة أو الخدمات المعطلة فحسب، بل تمتد لتشمل ضربة قوية لثقة المستهلكين وقطاع الأعمال، مما يعزز الرغبة العامة لدى المستثمرين في التحول إلى الأصول الدفاعية التي تحمي رؤوس الأموال من التقلبات الاقتصادية الداخلية وتدهور الإنتاج.
- تدفقات الصناديق والمشتريات الرسمية: تشمل العوامل الأخرى التي غذت ارتفاع أسعار الذهب استمرار عمليات الشراء القوية من قبل البنوك المركزية حول العالم. فالبنوك المركزية تعمل على تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار الأمريكي كتحوط ضد المخاطر الجيوسياسية والمالية، مما يوفر طلباً أساسياً صلباً للمعدن. علاوة على ذلك، تعكس التدفقات الكبيرة على صناديق المؤشرات المتداولة للذهب (ETFs) اهتماماً مؤسسياً متزايداً بالذهب كأصل استثماري استراتيجي، بالإضافة إلى ضعف الدولار الأمريكي الذي يجعل الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى.
توقعات الخبراء: هل يتجاوز الذهب عتبة 5000 دولار؟
أشار نيتيش شاه إلى أن هناك “احتمالاً قوياً” لبقاء المعدن فوق مستوى 4,200 دولار، ما يعكس حالة القلق المستمرة لدى المستثمرين وتوقع استمرار المحفزات الحالية. وفيما يتعلق بالتوقعات طويلة الأجل، صرّح أكاش دوشي، رئيس استراتيجية المعادن الذهبية في “State Street Investment Management”، قائلاً: “للوصول إلى 5,000 دولار بحلول عام 2026، من المرجح أن يحتاج السوق إلى رؤية طلب مادي ثابت (وهو الطلب القادم من قطاعات المجوهرات والصناعة)، مع زيادة إضافية في الطلب المالي على مخصصات الذهب (وهو الطلب الاستثماري من الصناديق والمؤسسات). هذا التوازن بين نوعي الطلب هو مفتاح العبور نحو مستويات جديدة غير مسبوقة.
وضع المعادن الأخرى
على الرغم من هيمنة أسعار الذهب على المشهد، سجلت المعادن الثمينة الأخرى تداولات متباينة:
- الفضة: انخفضت الفضة الفورية بنسبة 0.6% إلى 52.77 دولاراً للأونصة، بعد أن سجلت ارتفاعاً قياسياً عند 53.60 دولاراً يوم الثلاثاء. غالباً ما تتبع الفضة مسار الذهب ليس فقط كـ”ملاذ آمن للفقراء” ولكن أيضاً بسبب دورها المزدوج كسلعة صناعية حساسة للنمو الاقتصادي، مما يفسر تقلبها الحاد.
- البلاتين: تراجع البلاتين بنسبة 0.4% إلى 1,653.93 دولاراً، متأثراً غالباً بالطلب الصناعي الضعيف نسبياً.
- البلاديوم: ارتفع البلاديوم بنسبة 0.3% إلى 1,540.21 دولاراً، مدعوماً بشكل رئيسي بدوره في صناعة محفزات السيارات وقطاع التكنولوجيا.
اقرأ أيضا…




تعليق واحد