أسعار النفط ترتفع بعد الهجوم الأوكراني على المنشأت النفطية الروسية

شهدت أسعار النفط العالمية ارتفاعًا طفيفًا يوم الاثنين، حيث بدأ المستثمرون في تقييم التأثير المحتمل للتصعيد الأخير في الصراع الأوكراني، والذي تجسّد في هجمات الطائرات المسيرة على منشآت الطاقة الروسية. هذا الارتفاع الطفيف في أسعار النفط يأتي ليعكس حالة عدم اليقين في السوق، والتي تفاقمت إثر تصريحات للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي فتحت الباب أمام إمكانية فرض عقوبات أمريكية على روسيا في قطاع الطاقة، بشرط أن تتوقف دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) عن شراء النفط الروسي بشكل كامل. هذه العوامل المتشابكة، من التوترات الجيوسياسية إلى المواقف السياسية الدولية، تضع أسعار النفط تحت مجهر الترقب والتحليل.
تأثير الهجمات الأوكرانية على إمدادات النفط
شنت أوكرانيا هجومًا واسع النطاق باستخدام ما لا يقل عن 361 طائرة مسيرة، استهدفت عدة مواقع في روسيا ليلة الأحد، مما تسبب في اندلاع حريق لفترة وجيزة في مصفاة نفط “كيريشي” العملاقة شمال غرب روسيا. هذا الهجوم ليس مجرد حادث منعزل، بل هو جزء من استراتيجية متصاعدة من قبل أوكرانيا لاستهداف البنية التحتية النفطية الروسية، وقد أثرت الهجمات السابقة على محطات تصدير رئيسية مثل “برييمورسك”، التي تعد أكبر محطة لتصدير النفط في البلاد.
وفقًا لمحللين من بنك جي بي مورجان، فإن هذا التحول الاستراتيجي في الهجمات الأوكرانية يشير إلى “رغبة متزايدة في تعطيل أسواق النفط العالمية، وهو ما يحمل في طياته إمكانية إضافة ضغط تصاعدي على أسعار النفط“. هذا التصعيد يثير مخاوف جدية في السوق، خاصة عند النظر إلى القدرات الإنتاجية للمنشآت المستهدفة. فمحطة “برييمورسك” وحدها لديها القدرة على تحميل حوالي مليون برميل من النفط الخام يومياً، في حين تعالج مصفاة “كيريشي” نحو 355 ألف برميل يومياً، أي ما يعادل 6.4% من إجمالي إنتاج روسيا. هذه الأرقام تؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه المواقع، وأي تهديد لها يترجم مباشرة إلى مخاطر على سلاسل الإمداد العالمية.
العوامل الجيوسياسية الأخرى التي تضغط على الأسعار
بجانب التوترات المستمرة في شرق أوروبا، تتشابك عوامل جيوسياسية أخرى لتشكل بيئة معقدة لأسواق النفط. يتابع المستثمرون عن كثب المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي بدأت مؤخراً في مدريد. هذه المحادثات تأتي في سياق مطالب أمريكية متزايدة من حلفائها الأوروبيين بفرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين، وذلك بسبب استمرار الأخيرة في شراء النفط من روسيا. إن أي توتر في العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم يمكن أن يكون له تأثير كبير على النمو الاقتصادي العالمي، وبالتالي على الطلب على النفط.
علاوة على ذلك، فإن تصريحات قادة العالم، مثل تصريحات ترامب حول فرض عقوبات على روسيا، تحمل ثقلاً كبيراً في السوق. فتهديدات العقوبات، حتى وإن كانت مشروطة بقرارات حلفاء الناتو، تؤدي إلى زيادة حالة عدم اليقين، مما يدفع المضاربين والمستثمرين إلى اتخاذ مواقف أكثر حذراً، وهو ما ينعكس عادةً على الأسعار.
تداعيات اقتصادية أوسع تؤثر على الطلب العالمي
لا يمكن فصل أسعار النفط عن الصحة الاقتصادية العامة، خاصة في أكبر الاقتصادات العالمية. ففي الأسبوع الماضي، أثارت البيانات الاقتصادية الأمريكية مخاوف متجددة بشأن النمو. حيث أظهرت أرقام التوظيف تباطؤاً ملحوظاً، بينما استمرت معدلات التضخم في الارتفاع. هذا المزيج من ضعف النمو وارتفاع الأسعار، المعروف بـ “الركود التضخمي”، يثير قلق المستثمرين بشأن مستقبل النمو في أكبر اقتصاد ومستهلك للنفط في العالم.
إن تباطؤ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة قد يعني انخفاض الطلب على النفط من قبل قطاعات حيوية مثل الصناعة والنقل، مما يضع ضغطًا هبوطيًا على الأسعار. وعلى الرغم من أن هذا التأثير قد يكون معاكسًا للتأثير الصعودي للهجمات على الإمدادات، فإن التوازن بينهما هو الذي يحدد الاتجاه النهائي للأسعار. كما أن مراقبة صحة الاقتصادات الكبرى الأخرى، مثل الصين وألمانيا، تعد أمراً بالغ الأهمية لفهم الديناميكيات الكاملة للطلب العالمي.
نظرة مستقبلية: عوامل المراقبة الرئيسية
في الختام، تتأثر أسعار النفط بمجموعة معقدة من العوامل التي تتراوح بين المخاطر الجيوسياسية على الإمدادات وبين المؤشرات الاقتصادية التي تؤثر على الطلب. يواصل المستثمرون تركيزهم على التطورات في الصراع الأوكراني-الروسي، مع ترقب أي تصعيد إضافي قد يؤثر على منشآت التصدير. كما أن نتائج المفاوضات التجارية الدولية، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، ستلعب دوراً حاسماً في تشكيل التوقعات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، ستبقى البيانات الاقتصادية الشهرية، مثل معدلات التضخم وأرقام التوظيف، بوصلة أساسية لتحديد مسار النمو الاقتصادي العالمي، وبالتالي، اتجاه أسعار النفط في الأيام والأسابيع القادمة.
اقرأ أيضا…



2 تعليقات