ارتفاع معدل التضخم الأساسي في الولايات المتحدة يثير قلق البنك الفيدرالي

سجلت الولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعًا في معدل التضخم الأساسي، مما يثير تساؤلات حول مدى تأثيره على السياسة النقدية للبنك الاحتياطي الفيدرالي. فقد أظهر تقرير صادر عن وزارة التجارة الأمريكية أن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (PCE)، الذي يعد المقياس المفضل للبنك الفيدرالي لقياس التضخم، ارتفع إلى 2.9% على أساس سنوي في يوليو، وهو ما جاء متوافقًا مع التوقعات.
هذا الارتفاع يمثل تحديًا جديدًا لصناع القرار في البنك الفيدرالي، الذين يجدون أنفسهم في موقف صعب بين تحقيق هدفهم المزدوج المتمثل في استقرار الأسعار والوصول إلى أقصى قدر من التوظيف، في ظل مؤشرات اقتصادية متباينة.
تحليل البيانات الاقتصادية
يشير هذا الارتفاع الطفيف بمقدار 0.1 نقطة مئوية مقارنة بمستواه في يونيو إلى أن التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب قد بدأت بالفعل في التأثير على الاقتصاد الأمريكي. هذه الزيادات في التعريفات الجمركية على الواردات من دول مثل الصين تزيد من تكاليف السلع المستوردة، مما يترجم في النهاية إلى أسعار أعلى للمستهلكين.
فمؤشر PCE الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، يُعتبر مؤشرًا أفضل لتحديد الاتجاهات التضخمية طويلة الأجل، وهو ما يجعل ارتفاعه ملحوظًا بالنسبة لواضعي السياسات النقدية. ويتابع البنك الفيدرالي هذا المؤشر عن كثب لأنه يعكس بشكل أفضل الضغوط التضخمية الكامنة في الاقتصاد، بعيدًا عن التقلبات المؤقتة في أسعار السلع الأساسية التي قد تتأثر بعوامل موسمية أو جيوسياسية.
على الصعيد الشهري، ارتفع المؤشر الأساسي بنسبة 0.3%، وهو ما كان متوقعًا أيضًا. أما مؤشر PCE الإجمالي، فقد سجل ارتفاعًا سنويًا قدره 2.6%، في حين ارتفع على أساس شهري بنسبة 0.2%، ليتوافق كلا الرقمين مع توقعات الإجماع. هذه البيانات المتوافقة مع التوقعات تشير إلى أن السوق كان مستعدًا لهذه الأرقام، مما يقلل من احتمالية حدوث صدمة فورية، ولكنه لا يغير من الصورة الكلية المتمثلة في استمرار الضغوط التضخمية. وتُعد هذه الأرقام تأكيدًا على أن التضخم ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو اتجاه مستمر يتطلب يقظة من قبل السلطات النقدية.
رد فعل السوق والسياسة النقدية
تكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تظهر أن الاقتصاد لا يزال بعيدًا عن هدف التضخم الذي يضعه البنك الفيدرالي عند 2%. وهذا يضع البنك في موقف حرج، فمن جهة، يتطلب الهدف التضخمي سياسات نقدية أكثر تشددًا، ومن جهة أخرى، هناك ضغوط لخفض الفائدة لدعم الاقتصاد. ومع ذلك، تتوقع الأسواق أن يستأنف البنك الفيدرالي خفض أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، وهو ما أيده حاكم البنك الفيدرالي، كريستوفر والر، في خطاب له.
وأشار والر إلى أنه قد يؤيد خفضًا أكبر إذا استمرت بيانات سوق العمل في التدهور، مما يربط بشكل صريح السياسة النقدية بأداء سوق العمل، ويعكس القلق المتزايد من التباطؤ الاقتصادي المحتمل. هذا الموقف يؤكد أن البنك الفيدرالي لا يركز فقط على التضخم، بل يولي اهتمامًا كبيرًا لمؤشرات النمو والتوظيف، وهو ما يضيف طبقة من التعقيد إلى قراراته.
وفي إشارة إيجابية على قوة الاقتصاد، شهد الإنفاق الاستهلاكي ارتفاعًا بنسبة 0.5%، وهو ما يتماشى مع التوقعات ويدل على قوة الاقتصاد رغم ارتفاع الأسعار. هذا الارتفاع في الإنفاق الاستهلاكي يُعد مؤشرًا حيويًا على ثقة المستهلك وقدرته على تحمل الارتفاعات السعرية. كما تسارع الدخل الشخصي بنسبة 0.4%، مما يكمل صورة التقرير الذي جاءت جميع أرقامه متوافقة مع التوقعات، ويبرز حالة من الاستقرار النسبي في المشهد الاقتصادي الحالي. هذه الأرقام المتوازنة، التي تجمع بين تضخم مرتفع وإنفاق قوي، تجعل مهمة البنك الفيدرالي في تحديد مساره المستقبلي أكثر تعقيدًا.
تباين ردود أفعال الأسواق المالية
بعد صدور التقرير، بقيت العقود الآجلة للأسهم في المنطقة السلبية، في حين احتفظت عائدات سندات الخزانة بمكاسبها. هذا التباين في ردود الفعل يعكس حالة عدم اليقين التي تسود الأسواق، فبينما يرى البعض أن ارتفاع التضخم قد يثني البنك الفيدرالي عن خفض الفائدة، يرى آخرون أن ضعف سوق العمل المحتمل قد يدفعه لاتخاذ إجراءات تحفيزية.
هذا التباين يوضح أن المستثمرين ينظرون إلى الصورة الاقتصادية من زوايا مختلفة، فبعضهم يركز على المخاطر التضخمية، بينما يركز الآخرون على إشارات الضعف في النمو الاقتصادي. ويعكس سلوك أسواق الأسهم، التي تمثل عادةً شهية المخاطرة، قلقًا من أن استمرار التضخم المرتفع قد يؤدي إلى سياسات نقدية أكثر تشددًا، مما يضر بأرباح الشركات. وفي المقابل،فإن ارتفاع عائدات سندات الخزانة، التي تعتبر أداة استثمارية أكثر أمانًا، يشير إلى أن المستثمرين يتجهون نحو الأصول التي توفر حماية من التضخم. هذا التباين يبرز العلاقة المعقدة بين توقعات التضخم والسياسات النقدية المرتقبة، وكيفية ترجمتها إلى سلوكيات استثمارية مختلفة في الأصول المتنوعة.
اقرأ أيضا…