انخفاض طلبات إعانة البطالة يعكس ركودًا في سوق العمل: تحليل لبيانات البطالة الأمريكية

شهدت طلبات إعانة البطالة الأمريكية انخفاضًا الأسبوع الماضي، مما يمثل بصيص أمل في ظل استمرار الشركات في الاحتفاظ بالعمالة رغم حالة عدم اليقين الاقتصادي المتزايدة. يعكس هذا التراجع استمرار معدلات تسريح العمال المنخفضة، حتى في الوقت الذي تتباطأ فيه أنشطة التوظيف في معظم قطاعات الاقتصاد، وتُعد بيانات البطالة الأمريكية هذه بمثابة مؤشر حيوي على صحة سوق العمل والاقتصاد ككل، حيث يراقبها المحللون والسياسيون عن كثب لاستخلاص مؤشرات حول الاتجاهات الاقتصادية المستقبلية.
وأفادت وزارة العمل يوم الخميس الماضي أن طلبات إعانة البطالة الأولية انخفضت بمقدار 5 آلاف طلب، لتصل إلى 229 ألفًا بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 23 أغسطس. ويمثل هذا انخفاضًا عن الأسبوع السابق الذي بلغ فيه الرقم 234 ألفًا، وجاء أقل قليلاً من توقعات الاقتصاديين البالغة 230 ألفًا. وفي المقابل، ارتفع المتوسط المتحرك لأربعة أسابيع، الذي يساعد في تقليل التقلبات الأسبوعية ويعكس الاتجاه الأساسي، ليصل إلى 228,500 مقارنة بـ 226 ألفًا في الأسبوع الذي سبقه. يشير هذا الارتفاع البسيط في المتوسط المتحرك إلى أن التباطؤ لا يزال قائمًا رغم الانخفاض الأسبوعي.
سوق العمل في وضع “لا توظيف ولا تسريح”
يؤكد الانخفاض في طلبات إعانة البطالة الجديدة ما يصفه المحللون بأنه سوق عمل عالق في وضع دفاعي، ويُعرف بـ “لا توظيف ولا تسريح”. ففي حين أن الشركات مترددة في تسريح عمالها خوفًا من التكلفة المالية والمعنوية لإعادة التوظيف عندما يتعافى الاقتصاد، فإنها قامت أيضًا بتخفيض التوظيف بشكل كبير وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تغذيها سياسات الرئيس دونالد ترامب التجارية الواسعة. لقد أدت هذه السياسات، التي تضمنت فرض تعريفات جمركية على السلع الصينية، إلى إرباك سلاسل التوريد وتباطؤ الاستثمار، مما دفع الشركات إلى اتخاذ موقف حذر.
وقد أثر ذلك بشكل واضح على نمو الوظائف، حيث بلغ متوسط المكاسب 35 ألف وظيفة فقط شهريًا على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، مقارنة بـ 123 ألفًا خلال الفترة نفسها من عام 2024، مما يمثل تراجعًا حادًا وملحوظًا. أظهر تقرير الوظائف لشهر يوليو أن أرباب العمل أضافوا 73 ألف وظيفة فقط، وهو أقل بكثير من التوقعات البالغة 115 ألفًا، في حين ألغت المراجعات 258 ألف وظيفة من التقديرات السابقة لشهري مايو ويونيو، مما أثار قلقًا كبيرًا بشأن الزخم الاقتصادي.
كما انخفض عدد الأشخاص الذين ما زالوا يتلقون الإعانات بعد أسبوعهم الأول من المساعدة بمقدار 7 آلاف إلى 1.954 مليون خلال الأسبوع المنتهي في 16 أغسطس. ويُعد هذا الرقم بمثابة مؤشر بديل على نشاط التوظيف، حيث يشير انخفاضه إلى أن المزيد من العاطلين عن العمل يجدون وظائف، مما يعطي بعض الأمل في سوق التوظيف الذي كان قد وصل إلى أعلى مستوياته في نحو ثلاث سنوات في الأسابيع الأخيرة.
الاحتياطي الفيدرالي يدرس خفض أسعار الفائدة
تؤثر إشارات سوق العمل المختلطة على مداولات سياسة الاحتياطي الفيدرالي قبل اجتماعه في 16-17 سبتمبر. أشار رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، الأسبوع الماضي خلال “ندوة جاكسون هول الاقتصادية” السنوية التي تُعد حدثًا مهمًا لصناع السياسات، إلى قلق متزايد بشأن مخاطر التوظيف، حيث صرح بأن “المخاطر السلبية على التوظيف” قد تستدعي تعديلات في السياسة النقدية. هذه التصريحات زادت من احتمالية اتخاذ البنك المركزي قرارًا بخفض الفائدة.
أكد باول في الندوة أن التباطؤ الحاد في نمو الوظائف “لا يبدو أنه أوجد هامشًا كبيرًا من الركود في سوق العمل – وهي نتيجة نريد تجنبها”. ومع ذلك، شدد على أن عرض العمالة قد تراجع جنبًا إلى جنب مع الطلب، مما يقلل عدد الوظائف اللازمة للحفاظ على استقرار معدل البطالة. هذا التوازن الدقيق يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف يتطلب منه الموازنة بين هدفيه الرئيسيين: استقرار الأسعار والوصول إلى أقصى قدر من التوظيف.
وتشير الأسواق المالية الآن إلى أن هناك احتمالًا بنسبة 91.5% لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة في سبتمبر، بعد أن كانت النسبة 75% قبل تصريحات باول. وقد غيرت شركات وساطة كبرى مثل باركليز، بي إن بي باريبا ودويتشه بنك توقعاتها لتبدأ التخفيضات في الشهر المقبل، مما يعكس الثقة المتزايدة في أن البنك المركزي سيتخذ إجراءات تحفيزية.
يظل معدل البطالة عند 4.2%، بعد أن ارتفع من 4.1% في يونيو مع انخفاض مشاركة القوة العاملة إلى 62.2%، وهو أدنى مستوى منذ نوفمبر 2022. ويساعد تقلص حجم العمالة، الذي يُعزى جزئيًا إلى انخفاض معدلات الهجرة، على احتواء الزيادات في معدل البطالة رغم التوظيف الفاتر، على الرغم من أن الاقتصاديين يتوقعون أن يرتفع المعدل إلى 4.3% في أغسطس، حيث ستعكس الأرقام القادمة بشكل أدق حالة الركود في التوظيف.
اقرأ أيضا…